من مأرب إلى فرنسا.. رحلة غامضة لعرش سبئي عمره أكثر من 2500 عام
السبت 22 أغسطس 2026 - الساعة 07:00 مساءً
المصدر : الرصيف برس - متابعات خاصة

كشف خبير الآثار والباحث اليمني عبدالله محسن عن وجود عرش حجري سبئي يُعتقد أنه من وادي رغوان بمحافظة مأرب، معروض حالياً في متحف شامبليون «كتابات العالم» بمدينة فيجاك جنوب فرنسا.
وأوضح محسن أن صورة العرش ظهرت للمرة الأولى عام 2013، ضمن دراسة نشرها عالم الآثار الفرنسي فرانسوا برون، الذي تناول ستة نقوش يمنية غير منشورة، وأشار صراحة إلى أن مصادرها تعود إلى «نهب مواقع أثرية مختلفة في اليمن».
وبحسب الباحث، فإن العرش الموجود حالياً في متحف شامبليون هو القطعة ذاتها المسجلة في «مدونة داسي للنقوش»، والمحال فيها إلى دراسة برون، الصفحتين 188 و189، الشكل رقم 2.
ويعود العرش إلى العصر السبئي المبكر، في حدود القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وهو مصنوع من الحجر الجيري، وتبلغ أبعاده نحو 99 × 59 × 49 سنتيمتراً.
ويقع متحف شامبليون «كتابات العالم» في مدينة فيجاك جنوب فرنسا، وقد افتُتح عام 1986 تخليداً لذكرى عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي نجح عام 1822 في فك رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية. ويقام المتحف في المنزل الذي وُلد فيه شامبليون.
ويرى محسن أن وصف برون للعرش بأنه من آثار ناتجة عن نهب مواقع أثرية يمنية يشكل قرينة مهمة على أن القطعة لم تصل إلى الخارج عبر تنقيب أثري رسمي، ويثير في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية بشأن الطريقة التي خرجت بها من اليمن، والجهة التي قامت بإخراجها، والمسار الذي سلكته قبل وصولها إلى المتحف الفرنسي.
ويبرز، في هذا السياق، سؤال قانوني أساسي يتعلق بالوثائق التي استند إليها تصدير العرش، وما إذا كان يمتلك تصريحاً رسمياً صادراً عن السلطات اليمنية المختصة يسمح بخروجه من البلاد.
وينص قانون الآثار اليمني رقم 21 لسنة 1994 وتعديلاته، وفق محسن، في المادة 33، على أن الأصل هو حظر تصدير الآثار، ولا يُسمح بإخراجها إلا في حالات محددة وبموجب قرارات رسمية، من بينها أغراض التحليل أو الصيانة والترميم أو العرض والإعارة المؤقتة.
وبناءً على ذلك، فإن ثبوت خروج العرش من اليمن من دون تصريح رسمي من شأنه أن يضع عملية إخراجه في مخالفة لأحكام قانون الآثار اليمني.
وأشار محسن إلى أن القانون الفرنسي الحالي يكتسب أهمية خاصة في هذه القضية، لافتاً إلى المادة L124-1 من قانون التراث الفرنسي، النافذة منذ 11 مايو 2026، والتي تتيح للجهة العامة الفرنسية المالكة لأثر أن تطلب من القضاء إبطال عملية الشراء أو الهبة أو الوصية التي دخل الأثر بموجبها إلى ملكيتها، إذا ثبت أنه سُرق أو صُدّر بصورة غير مشروعة بعد 23 أبريل 1972.
وبحسب الباحث، فإن هذه الأحكام تنطبق بصرف النظر عن تاريخ تصديق دولة المنشأ على اتفاقية اليونسكو لعام 1970، كما أنه في حال طلبت دولة المنشأ، ومنها اليمن، استرداد الأثر، يتعين على الجهة العامة الفرنسية المالكة أن تطلب من القضاء كذلك إصدار أمر بإعادته إلى دولة المنشأ أو إلى مالكه الشرعي، وفق الشروط القانونية ذات الصلة.
ويرى محسن أن إدراج العرش ضمن آثار وصف مصدرها بأنه نهب لمواقع أثرية يمنية يضع علامة استفهام جدية حول مشروعية سلسلة حيازته، بدءاً من خروجه من اليمن ووصولاً إلى الجهة التي تملكه أو تعرضه حالياً.
وأكد الباحث أن الحسم في مصير العرش ومسار خروجه من اليمن يتطلب الحصول على معلومات ووثائق رسمية من متحف شامبليون، تشمل تاريخ دخول القطعة إلى حيازته، وهوية المالك أو البائع السابق، وسلسلة الملكية التي مرت بها، والأهم من ذلك أي وثيقة رسمية تثبت أن العرش غادر اليمن بطريقة قانونية.
ودعا محسن الجهات الحكومية اليمنية ذات العلاقة، إلى جانب البعثة الدائمة لليمن لدى اليونسكو والسفارة اليمنية في باريس، إلى تنسيق الجهود للتحقق من ملف العرش، والحصول على الوثائق المتعلقة بمصدره ومسار حيازته، بما يحدد وضعه القانوني ومصيره، ويحفظ حق اليمن في أحد الشواهد المهمة على تاريخ الحضارة السبئية.















