خمسون عاماً على إعدام سيد التكفير والتفجير "سـيــد قـطـــب إبراهيم" ( 1 / 2 )

الجمعه 29 أغسطس 2025 - الساعة 09:45 مساءً

 

كان البنا هو المرجعية الفكرية التي اتكأت عليها جماعة الإخوان المسلمين ، فيما استند هو على سعة اطلاعه وقراءاته  وتتلمذ علي يد ( رشيد رضا ) والذي يعتبر امتداداً لمدرسة أو لفكر حركة النهضة  التي أرسي  مداميكها ابتداءً ( جمال الدين الأفغاني ، و محمد عبده ، و رشيد رضا ) على سلفية الأخير وتشدده ، وقد  بدا واضحاً تأثير ( رضا ) على البنا لجماعته حيث عرَّفَها البنا بأنها ( جماعة إصلاحية ، ودعوة سلفية ،  وطريقة سنية ، وحقيقة صوفية ، وهيئة سياسية ، وجماعة رياضية ، ورابطة علمية ثقافية ، وشركة اقتصادية ، وفكرة اجتماعية ). 

 

       والحق يقال بأن رحيله _ أي البنا _ أحدث  فراغاً مرجعياً صَعَّبَ على من جاء بعده ملؤه أو سدَّ بعضٍ من فراغاته ، لاسيما وأن المرشد الثاني قد جاء من خارج  الجماعة ، وأحدث شرخاً  ليس على مستوى التنظيم أو جماعة الإخوان ؛ ولكن على المستوى النفسي في بنية العضوية ( قيادة وقاعدة ونظام خاص ) ، كما لم يكن المرشد الثانى / حسن الهضيبي يتكئ على خلفية أو مرجعية فكرية على الرغم  من كونه سياسياً ناجحاً ومناوراً كبيراً بحسب باحثين . 

 

      وهو الفراغ الذي استطاع ( سيد قطب ) ملء فراغاته ، وربما شعر المرشد / حسن الهضيبي بعجزه الشخصي في سدِّ هذا الفراغ ، فوجد في سيد قطب ضالته ، وعوَّض به نقصه ليتمكن من إحكام قبضته على الجماعة  ونظامها الخاص تحديداً ؛  وقد مكَّن الهضيبي ( سيد قطب ) من قسم الدعوة بعد جعله رئيساً لتحرير مجلة الجماعة ، بل وقرَّبه منه واصطحبه معه في زياراته ولقاءاته ، بل وعقد له لقاءً أسبوعياً بالجماعة وشبابها وأطلق يده عليها حتَّى وهما معاً في المعتقل أو بعد خروج المرشد منه  بتبنيه _ أي المرشد _ لنشر وطباعة  فكر ( سيد قطب ) في الجماعة قبل أن يستشعر بأن سيد قطب أصبح  توجهاً عاما ً داخل الجماعة بأفكاره فأصدر كتابه ( دعاة لا قضاة ) فيما بعد ليحدَّ من توغل وتغول أفكار ( سيد قطب ) في الجماعة . 

 

       وفطن ( سيد قطب ) لهذا الفراغ التي تعيشه الجماعة ، وإلى خواءها الفكري فعمد إلى ملء هذا الفراغ ، وإشباع  حاجاته هو _ أي سيد قطب _ النفسية ، وراودته أوهام الزعامة وجنون العظمة الذي يتملكه قيادة ًوالهاماً.

 

       وهو المنظم إلى الجماعة في العام 1953 م ،  فكان تنظيم 54 وكان تنظيم 65 الذي تولى  ( سيد قطب ) قيادته ، تأسيساً لمرحلةٍ جديدةٍ في الجماعة ولتاريخٍ  أجدّْ  في منعطفات مسيرتها التنظيمية وحتى الفكرية والسياسية  والعقدية ، باعتبار العقيدة التي شكلها ( سيد قطب ) هي من تسيَّدت خط الجماعة وخطواتها ،  بل وشكَّلت  فلسفتها الناظمة بإستثناءِ مرحلة ( عمر التلمساني )_ كما يقول بذلك سياسيون _ ، والتي يمكن عدَّها امتداداً لخط البنا المؤسس ، أما ماتلاه فإنه  مثَّلَ تدشيناً لفلسفة ( سيد قطب ) وتوجهه ، وهو ما جسده ( مصطفى مشهور ) الذي يعتبر رأس الحربة في ترسيخ مداميك تلك الوجهه القطبية ، بل وحامل لواء القطبية عموماً وحارسها الأمين ، وحتى بغيابه  فقد أسس التنظيم القطبي داخل  الجماعة المركزية ، و في مجلس شوراها وفي تنظيمها الدولي ، بل وفي التنظيمات التي شكَّلها وأشرف على تشكيلها شخصياً  كحركة حماس وغيرها في كثير من البلدان العربية . 

 

فــ ( لم يشعر أحد بفراغ الميدان من الرجالات المقتدرة في الصف الأول من جماعة الأخوان المسلمين إلا يوم قتل حسن البنا في الأربعين من عمره ، لقد بدا الأقزام على حقيقتهم بعد أن ولى الرجل الذي طالما سد عجزهم وكان في الصفوف التالية من يصلحون بلا ريب لقيادة الجماعة اليتيمة ، ولكن المتحاقدين الضعاف من أعضاء مكتب الإرشاد حلوا الأزمة أو حلت بأسمائهم الأزمة بأن استقدمت الجماعة رجلاً غريباً عنها ليتولى قيادتها وأكاد أوقن بأن من وراء هذا الاستقدام أصابع (هيئات سرية عالمية ) أرادت تدويخ النشاط الإسلامي الوليد فتسللت من خلال الثغرات المفتوحة في كيان جماعة هذه حالها وصنعت ما صنعت ولقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه لجماعة الأخوان ) .

      الشيخ محمد الغزالي / كتاب ( من ملامح الحق ) الطبعة الثانية دار الكتب الحديثة ، القاهرة 1963 م / ص 263

 

       وعلى ذكر الماسون والماسونية هاهنا فلا يخفي على أحدٍ ماسونية موضوع التناولة  ( سيد قطب ) ، وكتاباته في مجلة التاج المصري  التابعة للمحفل الماسوني المصري ، ومنها موضوعه ( لماذا صرت ماسونيا ً!؟ ) معروف ولا يخفى على أحد بأنه من أبرز محرري هذه الصحيفة الناطقة باسم المحفل الماسوني المصري ، وقـد كانت مقالته نلك افتتاحيّةً لمجلة التاج الماسونية يومها !! 

 

      كما أن المرشد العام المؤسس / حسن البنا كان ماسونيا بشهادة ثروت الخرباوي ، كما أن هناك شخصيات أخرى إخوانية كانت ماسونية كـ (  محمد خميس حميدة ) ، وكذا مراقب الإخوان السوري الأسبق ( مصطفى السباعي ) كان ماسونيا ً بحسب الكاتب والقيادي الإخواني السابق / ثروت الخرباوي ، وجماعة إخوان المسلمين مخترقة ماسونيا ً ومخابراتياً بشهادة أبناءها كالباقوري والغزالي الذين  قالا بماسونية حسن الهضيبي  .

 

      وهناك نائب امريكي يدعى ( جورج  شفتيني ) وله كتاب بعنوان ( البترول والجغرافيا السياسية ) يقول فيه  : ( الإخوان جماعة ماسونية نستخدمهم لتحقيق أهدافنا في الشرق الأوسط ) بحسب نبيل نعيم .      

      ويؤكد ماسونية الطقوس والبيعة للتنظيم الخاص عضو الجماعة الأسبق ، وأحد قيادي النظام الخاص الدكتور/ عبدالعزيز كامل في كتابه ( في نهر الحياة ) ، والذي أصبح وزيراً للأوقاف في عهد ثورة يوليو 1952م ، ولن نستعرض هنا ما قيل عن شكل البيعة وطقوسها في التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين في شكله ومبناه وفي تكوينه الهرمى وأبعاده الشعاراتية ، وهو مايڜبه طقوس الحركة الماسونية  والصهيونية المدعومة أيضاً من الإنجليز ، وكان حسن البنا  متأثراً  بـ ( جمال الدين الأفغاني ) و( محمد عبده ) وكانا الأخيرين  قد أسسا معاً حزباً سياسياً هو( العروة الوثقى ) وصحيفة تحمل ذات الاسم ، وقد تأثر البنا بهما أيما تأثير وكان كلاهما ماسونيين !!

 

       وفي هذا السياق  تحضرني هنا الإشارة إلى  مسلكيات سريعة في سياقات هذا التداعي والتثاقف الذي استولى على اهتمامات حسن البنا ، وانعكست تأثيراته في بنية وسلوك النظام الخاص ، وهي ظاهرة تستدعي التمعن والغوص في أعماقها ، وتتجلي في تـأثـر حـسـن الـبـنـا بـالـنـظامـيـن الـنـازي والـفـاشـي وقبلهما بحركة الحشاشين لنستكنه ما وراءها !! 

 

     جماعة الإخوان  تواجه أزمة ، وليست وحدَّها  بل وعموم التيار الإسلامي أو مايمكن  تسميته بـ ( تيار اليمين  الديني ) ، وتتمثل  في غياب المشروع وانعدام الرؤية للدولة شكلاً  ودوراً وأداءً وإدارةً ، كما أظهرت ذلك ممارسة الإخوان في الحكم أو في التيار الإسلامي عموماً في الحكم  في السلطتين التنفيذية والتشريعية في ( مصر وتونس والمغرب والأردن  وفلسطين وحتى في  اليمن  كسلطاتٍ حاكمةٍ ومتحكمةٍ ) ؛  ولأنها تعيش انفصاماً حقيقياً جدلياً وموضوعياً ظهر هذا الغياب بشكلٍ واضحٍ : فلا شكل للدولة ، ولا قانون ضابط لمستوى الأداء ولا معايير حاكمة  للمواقف عند تقييم الممارسة أو سبر التجربة ولو في حفظ  المؤسسة والمؤسسية .

       

       في كتاب ابو الحسن الندوي (  مذكرات سائح في الشرق العربي ) وهو رجل دين هندي مسلم  ، وله علاقته بالإخوان  قال بهندية أصول ( سيد قطب ) من جده السادس  المسمى  بـ ( عبيدالله )  نقلاً عن سيد قطب  نفسه في لقاء جمعه ب (سيد قطب ) سنة  1370هجرية الموافق 1951 م ، وتأكيد ( قطب ) له أيضا بأن كثير من أفراد عائلته  لم تزل سحنات الكثير منهم هندية !! 

  ص 152/153 مذكرات سائح في الشرق العربي .

 

       وقد أشار المفكر الخرباوي إلى مثل ذلك في أحد حواراته إذ قال ( إن كلاً  من  :  حسن البنا وعبدالرحمن السندي  و سيد قطب  ثلاثتهم أصولهم غير مصرية ) !! 

        و يقول / أحمد البدوي في كتابه ( سيد قطب ) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992م  في سلسلة  نقاد الأدب  الجزء العاشر ص4  بمثل ذلك : ( وينتمي سيد قطب إبراهيم إلى عائلة مصرية ذات أصل هندي استوطنت جنوب مصر حيث ولد  في بلدة موشة التابعة لمديرية أسيوط عام 1906م ) ، وقد نقل ذلك عن مقابلة شخصية مسجلة  مع / محمد قطب في المدينة المنورة 19 رجب 1400 هجرية ) .

       معلوم أن سيد قطب راديكالي الطرح والوجهة في كل مراحل حياته المتضخمة بالأنا والممجدة للذات والمتحدة بأوهام وعقد الماضي الذي شكلت وعيه الراديكالي النزق ، لم يكن قطب في كل اطواره وانقلابه وتقلباته سوى رجل غلبت عليه شقوته ، ويبحث عن أضواء ودور يُشْبِعُ به غرورَهُ ويعوض بها حالات الاستلاب التي تتجاذبه ، يغالي في طرحه  فمن ( شواطئ مصر الميته  التي يدعو فيها المرأة إلى لبس المايوه على شواطئ مصر لتمنحها جمالاً ، ويدعو المصلحين والغيوريين إلى تبني  دعوته تلك ، وينتقد وبحدته المغالية التي لا تعرف الوسطية ، وثقافة التسامح والاعتدال ،  وانتقاداته للعقول المتخلفه التي ترى في ( الـمـايــوه عُـريـاً و قــلِّـة أدب ) !!  ).

 

       إلى ماسونيته وتغنيه بها  والتنظير لها ، والدفاع عنها كما سبق إلى حاكميته وتكفير المجتمع  والناس إلى فتاويه وفتواته وفتنته الكبرى قبل افتنانه بذاته المريضة  الغارقة في الهوس و تمجيد الذات ، إلى نظرته وهو يـنـشــدُ الكـمـالَ فـي مـاســونـيـتـه ، ومـثـله الأعـلـى لـكـل مـن يـنـشـدُ كـمـالاً ، أو يبـتـغـي رفـعـةً ومجداً ، ويراها_ أي الماسونية _ الـفــضـيـلـة التي تنطوي على أسمى المعاني والمقاصد وأنبلها ، بل وصل به الحال إلى رؤيتها  بأنَّها : مـبـدأُ الكـمـالِ ومـنـتـهـاهُ !!

 

      إلى تصوير اعتمالاته ، وتشخيص انفعالاته ، واعتناقه للماسونية مذهباً يرممُ بها ذاته الخاوية على عروشها ، وفي مقالته الأشهر : ( لـمـاذا صـرت مـاسـونـيـاً ) توصيفٌ دقيقٌ لتلك الذاتُ العامرةُ بالخواءِ ، و المتآكلةُ من غيرِ داءٍ إلآ أناهُ وتضخُمِ ذاتِهِ ، والتي لا تبحث عن حقيقةٍ بمثل تلك النفسيةِ المتغطرسةِ المريضةِ التي لا تنشدُ دواءً أو حتَّى رواءً يرطبُ جفافَ فاهُ ، أو تطلبُ ضوءاً يكون لخطاها معالماً تُقتفى  ودليلَ نـورٍ وهـدى ،

 لكنَّهَا ذاتٌ مهووسةٌ تعيشُ في حدود لحظاتها بنزقٍ ٍ ورعونةٍ ، وبغرورٍ وطوباوية ٍ مسرفةٍ حدَّ المرضية . 

        ( صرت ماسونياً لأنني أحسست أنّ الماسونية بلسماً لجراح الإنسانية ، طرقت أبواب الماسونية لأغذّي الروح الظمآى بالمزيد من الفلسفة والحكمة ، لأقتبس من النور شعلة ؛ بل شعلات تضيء لي طريق الحياة المظلم ، ولأستمد قوة أحطم بها ما في الطريق من عراقيل وأثار، لقد صرت ماسونياً ؛ لأنني كنت ماسونيا ، لكن في حاجة إلى صقل وتهذيب ، فاخترت الطريق السوي ، لأترك البناية الحرة مهمة التهذيب والصقل ، فنعمت اليد ونعم البناؤون الأحرار ). 

       لا وسطية في ذاتٍ غير واعيةٍ ، وما سبق نظرةٌ عجلى لمنعطفات تشكلاتها لدى سيد  قطب ، فمن شاعرٍ وأديبٍ إلى ناقد ٍ و كاتب ٍ ، إلى مفكرٍ ومنظرٍ إلى سياسي ٍ وزعيم ٍ روحيٍ  وقائدٍ ملهمٍ ومظلمٍ لفكر التكفير والإرهاب ، ومن اليسار الى اليمين إلى حامل لواء الرجعية  إلى سيد ٍلخوارج العصر وكهنته ،  وأبـويـةٍ مفرطةٍ غالت فضلَّت وأضلَّت .

       يقول بعض الدارسين في كتاب ( سيد قطب ) ( معالم في الطريق )  : 

 

( إن كلَّ فصلٍ من فصول كتاب ( معالم في الطريق ) أدى إلى ميلاد جماعة إسلامية تحمل السلاح ) .

 

ويقول آخرون : 

( إنَّ هذا الكتاب من أخطر ما كتب في العالم الإسلامي منذ أكثر من قرن ) !! 

       لم يكن سيد قطب فقيهاً أو حتى دارساً أزهرياً ، بل كان خريج كلية دارالعلوم ، وكان اديباً ( شاعراً وناقداً ) و يشار إليه بالبنان ، و تربع على عرش النقد الأدبي  كآخرين سبقوه في هذا التربع على هذا العرش  كــ  ( العقاد ، وتوفيق الحكيم ، وطه حسين ، والمازني وووو ) ، وكل ذاك لا يعطيه الحق في قياس ذلك أولاً مع القضايا الفقهية والإسلامية كما يتضح في الأحكام الفقهية  كـ ( قضايا المفاصلة والإمام المنفصل  ، والعزلة الشعورية ، و الولاء والبراء وووو ). 

 

       وقد أخطأ ( سيد قطب ) في هذا القياس ( قياس الشريعة مع الأدب والنقد ) فالمجال الأخير قد يوافق أو تتوافق معه قطعيات ( سيد قطب ) وأحكامه سلباً أو ايجاباً ،  صواباً أو خطأً ، ومجال الأدب فسيحٌ  ورحبٌ في الخيال والتهويمات والمجاز والاستعارة ، وفي ذلك  فسحة  قد تقبل التأويل وتحتمل الصواب والخطأ ، بينما المسألة تختلف تماما مع الشريعة وقضايا الفكر الإسلامي عموماً ، والفقهيَّة منها على وجه الدقة و التحديد. 

        فهو _ أي سيد قطب _ يتعرض لقضايا فقهيَّة عديدة  بلغةٍ غير فقهيَّة ، وبقطعياتٍ باتةٍ ومتصلبةٍ وحاسمةٍ ، وهذا مقبول عند بعض ناقديه ، لكنه غير مقبول عند البعض الآخر؛ حتى في وجهات النظر ، وليس  في الأدب والنقد  فحسب ، فكيف  في قضايا الفكر والفكر الإسلامي تحديداً ، وفي قضايا الفقه منه بالذات على وجه الدقة والخصوص . 

      وهذه واحدة من إشكاليات ( سيد قطب ) التي اقحم نفسه فيها  من غير علمٍ  مع سكوتِ أهل العلم في بيت الخطاب الشرعي المستنير بالأزهر الشريف مثلاً عن ذلك .

       كمآ أن فلسفة ( سيد قطب ) في نظام الحكم مثلاً غير واضحةٍ ، فلا توصيف ولا معالم  ، وفي طرحه مصادرة للتجارب الإنسانية عموماً ، فنراهُ يحاول الهروب او التبرير ربما لغياب الرؤية او التصور لديه .

     فتراه يقولُ مجيباً على السؤال :

    كيف سيحكم المسلمون وماهي فلسفة ورؤية الحكم لديهم ؟ 

    و يكون الجواب : 

     ( يحكم المسلمون .. فإذا ما حكموا عرفوا الطريق ) !! 

    إذاً الحكم أولاً ، وهو الغاية . 

والحكم أخيراً ، وبلا غاية  وإن تحددت وسائل الوصول إليه . 

      هل حمَّلَ الناسُ أفكارَ وعباراتِ ( سيد قطب ) ما لا تحتمل أو أن عباراته وأفكاره خانته فأتت بغير ما يقصد ؟

      بتاتاً بدليل عباراته الصريحة والواضحة ، والتي لاتقبل التأويل  ولاتحتمل التبرير . 

      من مثل قوله : ( لقد استدار الزمن كهيئته يوم  جاء هذا الدين إلى البشرية  بـ ( لا إله  إلآ الله ) فـقـد ارتـدَّت البـشـريـة إلـى عـبـادة الـعـبـاد وإلـى جـور الأديـان ،  ونـكـصـت عـن ( لا إلـه إلآ الـلــه ) وإن  ظـلَّ  فـريـقٌ مـنـهــــا يــرددُ  علــى الـمــآذن ( لاإلـه إلآ الـلْـه ) دون أن يـدرك مـدلـولـهــا ، ودون أن  يـعـنـي هـذا الـمـدلـول  وهـو يـرددهـا ودون أن يـرفـض شـرعـيـة ( الـحـاكـمـيـة ) الـتـي يـدعـيـهـا الـعـبـاد  لأنـفـسـهـم _ وهـي  مـرادف الألـوهـيـة _ سـواءً ادعـوهـا كـأفـرادٍ أو كـتـشـكـيـلاتٍ تـشـريـعـيـةٍ أو كـشـعـوبٍ ، فـالأفـرادُ كـالـتـشـكـيـلاتِ ،  كـالـشـعـوبِ لـيـسـت  آلـهـه ، فـلـيـس لـهـا  إذًا  حـق الـحـاكـمـيـة .. إلآ  أنَّ البـشـريـةَ عـادت إلـى الـجـاهـلـيـةِ ، واردتـدت عـن ( لا إلـه إلآ الـلــه )  و ( وجـود الأمـة الـمـسـلـمـة يـعـتـبـر قـد انـقـطـع مـن أمـورٍ كـثـيـرةٍ ، وبـذلـك يـكـون مـجـتـمـعـاً جـاهـلـيـاً ولـو  أقـر بـوجـود الـلـــه سـبـحـانـه ، ولـو تـرك النــاس يـقـدمـون شـعـائـر الـلـــه فـي الـبِـيَـعِ والـكـنـائـسِ والـمـسـاجـدِ ) ..... معالم في الطريق.  

     ( إنه ليس على وجه  الأرض اليوم دولةٌ مسلمةٌ ولا مجتمعٌ مسلمٌ ) 

 من كتاب في ظلال القرآن ص / 2122 .

        يقول الشيخ / محمد الغزالي في كتابه 

( من معالم الحق ) : ( إن سيد قطب انحرف عن البنا ، وأنه لم  يشعر أحد بفراغ الميدان  من الرجالات المقتدرة في الصف  الأول من الجماعة المسماه الإخوان المسلمين إلآ يوم  قُتِلَ ( حسن البنا ) في الأربعين من عمره ، لقد بدأ الأقزام على حقيقتهم  بعد أن ولى الرجل  الذي سد عجزهم ، وكان  في الصفوف التالية  من يصلحون بلا ريب لقيادة الجماعة  اليتيمة ، ولكن المتحاقدين الضعاف  مـن أعضاء مكتب الإرشاد حلو الأزمة ، أو حلت بأسمائهم الأزمة بأن استقدمت الجماعة رجلاً غريباً عنها ليتولى قيادتها ،  وأكادُ أوقن بأن من وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية أرادت تدويخ  النشاط الإسلامي الوليد ، فتسللت  من خلال  الثغرات المفتوحة  في كيان جماعة هذه حالها  وصنعت ما صنعت ، ولقد سمعنا كلاماً كثيراً عن انتساب عددٍ من الماسون بينهم الأستاذ / حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان ، ولكنني  لا أعرف بالضبط  كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على النحو الذي فعلته ؟ 

    وربما كشف المستقبل أسرار هذه المأساة ). 

نقلا عن سر المعبد   ص 29

       

       ويقول / يوسف القرضاوي : ( إنني أخالفُ ما انتهى إليه _ سيد قطب _  في مسيرته الفكرية من مفاهيم وأفكار ليست على نهج أهل السنة والجماعة الذي أرتضته الأمة أو جمهور الأمة المسلمة ) .

في مقابلة له ايضاً مع  ضياء رشوان على قناة الفراعين . 

       وبين مؤيد ٍ ومتعاطف ٍ مع أفكار ( سيد قطب ) وبين معارضٍ  لها  نرى أنه من الضرورة بمكان التوضيح بأن سيد قطب  لم يكن أولا بفقيه او رجل دين مثله مثل حسن البنا وبالتالي فالرجلان وكذا  جماعة الإخوان عموماً يخلطون بين كونهم جماعة سياسية أم جماعة دينية ، وأعتقد ان الخلط هنا مقصود إذ تتلبس الجماعة الدين في غمار السياسة  وتتلبس السياسة في شؤون الدين باعتبارها الوصي عليه ، بل والممثل الوحيد الحصري له ، فهم جماعة المسلمين وهم جماعة السنة .

        وبالتالي يقحمون أنفسهم في مسائل الدين والفتوى ، ويخلطون في طروحاتهم بين الأصول والفروع  كما هو حاصل عند البنا وقطب في رسائل التعاليم عند الأول  وفي ظلال القرآن ومعالم في الطريق عند الثاني . 

      إلى درجة أن نقل عن ( القرضاوي ) قوله وقد حاوره  أحدهم  : بأن ( سيد قطب ) في المعالم والظلال غيره فيما سواهما ، وحدث أن شبَّهَ أحد محاوري ( سيد قطب ) ب ( الشافعي محمد بن إدريس ) !!

 فقال له  ( سيد قطب ) : 

    الشافعي جدَّدَ في الفروع  ، وأنا جدَّدَتُ في الأصول  !!!!

…..…. ……..

…….……….  

       وهناك أيضاً من يقول  بسلفية التأثيرعلى أفكار ( سيد قطب ) فيما  بعد  _ أي بعد  انتشار أفكاره أصبغوا عليها مسحةً عقديةً  وتأصيلاً فقهياً ، ومثلُ هذا القولِ مردودٌ ايضاً  من أن تيَّاراتِ السلفيةِ ، وكذا ( سيد قطب ) ذاته أخذ عن ( ابنِ كثيرٍ وابنِ تيميةٍ  وابنِ القيمِ )  صاحب ( زاد المعاد ) في كثيرٍ من كتبه ،  ومن هنا يمكن أن تكون المرجعيةُ واحدةً  بل إن ( سيد قطب ) في ( معالم على الطريق ) قد  لخَّصَ ما طرحه ( ابن القيم ) في كتابه ( زاد المعاد ) في الفصل الذي عقده باسم ( فصل في ترتيب هديهُ مع الكفار والمنافقين من حين بُعِثَ إلى  حين لقى آلله عزَّ وجلَّ ) ، والذي لخَّصَهُ ( سيد قطب ) تحت عنوان ( الجهاد في سبيل آلله ) ، وتطرق قطب بعد ذاك التلخيص إلى المنهج الحركي واستعرض ذلك كفكرة تعريفية شارعاً لتكوينها ثم تنفيذها كما سيؤكده في نهاية كتابه ( هذا هو الطريق ) وهو يلتقي هنا مع / حسن البنا في تقسيمه الثلاثي في تصورات  الإعداد من ( التعريف إلى التنفيذ  وبينهما التكوين ). 

 

والحقيقة التي يجب أن تُفْهَمَ في هذا السياق أن الظاهرة الفكرية  تحولت  إلى تنظيم مسلح ، وتيار قطبي موجود  و متسيد داخل  جماعة الإخوان  يؤمن بفكر ( سيد  قطب ) ويسعى إلى تنفيذ الانقلاب على نظام الحكم ، وهذا الطرح تقره قيادات سابقة  ولاحقة داخل  جماعة الإخوان المسلمين  ولايزال التيار القطبي منذ  مايقارب خمسة عقود هو التيار الغالب او المتسيد عرش الجماعة وهوصاحب القرار السيادي فيها .

      أما فكرة الإيحاء  الذي استشفته الجماعات التكفيرية والارهابية من ( كتاب سيد قطب ) فمردُّ ذلك أن سيد قطب لم يكن أمامه وهو في طور التشكيل لفكرته في اتباعه وفي المجتمع إلآ  أن يمارس  الايحاءات _ على وضوحها _ لتكون  أدعى  للتسويق والانتشار من ناحية ، ولتكون له ( وِجَاءُ ) إلى أن يستتب عود ( جيل طليعته المؤمنة ) ، وليس في الإيحاء أي جريرةٍ أو ثمةَ مسؤوليةٍ ، والنص حمَّالُ أوجُهٍ ، وكلٌ يؤولُهُ بحسب وعيه وفهمه ، كنوعٍ من المشاركة المعرفية _ تقيةً _  بين الكاتب وقارئه. 

                   ……..  يتبع  . 

 

 * جزء من مخطوطة للكاتب لم تنشر بعد  بعنوان (   

الإخوان المسلمين والسقوط المدوي .. مقاربات موضوعية في السرديات الإخوانية )  .

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس