عدن بعد الزبيدي: تحوّل في موازين القوة أم بداية إعادة بناء الدولة؟
الخميس 08 يناير 2026 - الساعة 11:51 مساءً
د. عبدالقادر الخلي
مقالات للكاتب- عدن بعد الزبيدي: تحوّل في موازين القوة أم بداية إعادة بناء الدولة؟
- قراءة الموقف: طارق بين الحرج والبراغماتية ومحاولة إعادة التموضع
- تعز ومأرب بين نار الجنوب وبرد الشمال: مقاربة تحليلية في تموضع النخب وإشكالية الشرعية في اليمن
- بين دبلوماسية الاستجداء وغياب القرار الوطني: قراءة في مأزق الدولة اليمنية الراهن
لم يكن ما جرى في عدن حدثًا أمنيًا عابرًا يمكن احتواؤه بخبر عاجل أو بيان رسمي، بل لحظة سياسية فارقة أعادت تشكيل موازين القوة داخل اليمن، وكشفت بوضوح نهاية مرحلة كاملة وبداية أخرى لم تتضح معالمها بعد. فسيطرة قوات درع الوطن على العاصمة المؤقتة، وهروب عيدروس الزبيدي إلى الخارج، وما تلا ذلك من إقالات في بنية الحكومة، كلها مؤشرات على تحوّل عميق يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة المشروع السياسي نفسه.
إن سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي عمليًا لا يعني انتصار الدولة تلقائيًا، كما لا يعني طيّ صفحة القضية الجنوبية. ما حدث هو انكسار مشروع سياسي–عسكري اعتمد على القوة والوصاية الخارجية أكثر مما اعتمد على الشرعية الشعبية أو التوافق الوطني. ومع انكشاف هذا المشروع، دخل اليمن مرحلة إعادة فرز قاسية، عنوانها: من يملك القرار، ولصالح أي دولة؟
سقوط الزبيدي: نهاية الوهم لا نهاية القضية
خروج عيدروس الزبيدي من عدن لا يمكن قراءته بوصفه انسحابًا تكتيكيًا أو ظرفًا عابرًا. إنها رسالة سياسية واضحة بأن الزعامة التي تُبنى على الدعم الخارجي وحده، دون قدرة على إنتاج شرعية داخلية مستقرة، تبقى هشّة وقابلة للسقوط عند أول تحوّل إقليمي. الزبيدي لم يُهزم لأنه أخطأ في إدارة معركة، بل لأن المشروع الذي مثّله بلغ حدوده القصوى، ولم يعد قابلًا للتسويق إقليميًا ولا للاحتواء وطنيًا.
لكن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن سقوط الرجل يعني انتهاء القضية الجنوبية. فالقضية، بوصفها مظلومية تاريخية وتراكُم إخفاقات سياسية واقتصادية، لا تُلغى بإقصاء قيادة، بل قد تعود بأشكال أكثر تعقيدًا إن لم تُعالج سياسيًا. الفرق أن الجنوب اليوم بلا مركز قرار موحد، بعد أن فُكك الإطار الذي احتكر تمثيله بالقوة.
الشرعية بين استعادة النفوذ واختبار المصداقية
تحركات مجلس القيادة الرئاسي، بما فيها إقالة وزير الدفاع وعدد من الوزراء، تعكس محاولة واضحة لإعادة مركزية القرار السياسي والعسكري بعد سنوات من التشتت والتفويض. هذه الخطوات، رغم أهميتها، تضع الشرعية أمام اختبار حقيقي: هل هي قادرة على التحول من كيان مدعوم إقليميًا إلى سلطة وطنية فاعلة؟ أم أنها ستكتفي بإدارة التوازنات واحتواء الخصوم دون مشروع دولة حقيقي؟
الواقع أن الشرعية اليوم أقوى نسبيًا مما كانت عليه، لكنها لا تزال هشّة بنيويًا. قوتها مستمدة من رغبة إقليمية في الاستقرار، لا من ثقة شعبية متجددة أو عقد اجتماعي جديد. وإذا لم تُترجم السيطرة الأمنية في عدن إلى تحسين للخدمات، وإصلاح للمؤسسات، وضبط للفساد، فإن هذا التقدم سيبقى مؤقتًا وقابلًا للانقلاب.
التباعد السعودي–الإماراتي: اليمن كساحة إعادة ضبط
لا يمكن فصل ما جرى في عدن عن التغيرات في العلاقة بين الرياض وأبوظبي. فالإمارات، التي لعبت دورًا محوريًا في بناء ودعم الفصائل المحلية، تبدو اليوم أقل اندفاعًا للمواجهة المباشرة، وأكثر ميلًا لإعادة التموضع. في المقابل، تسعى السعودية إلى فرض معادلة أكثر وضوحًا: دولة واحدة، قرار واحد، وشركاء بلا مشاريع موازية.
في هذا السياق، لم يكن التخلي عن الزبيدي حدثًا معزولًا، بل نتيجة طبيعية لتغيّر الأولويات الإقليمية. اليمن، مرة أخرى، يجد نفسه ساحة لإعادة ضبط النفوذ، لا طرفًا فاعلًا في تقرير مصيره.
السيناريوهات المقبلة: بين الترميم، الفوضى، وعودة الدولة
يمكن اختصار المشهد القادم في أربعة سيناريوهات رئيسية، تتراوح بين الاستقرار الهش والانفجار المؤجَّل، وبينهما احتمال نادر لكنه حاسم يتمثل في عودة الدولة بمعناها المؤسسي.
1. ترميم الشرعية بالقوة: وهو السيناريو الأرجح على المدى القصير، حيث تُفرض السيطرة الأمنية وتُضبط الفصائل المسلحة دون معالجة جذرية لأسباب الانقسام السياسي والاجتماعي. هذا المسار قد يمنح هدوءًا نسبيًا، لكنه يظل هشًا، لأن القوة وحدها لا تنتج ولاءً ولا تبني دولة.
2. تشظّي الفوضى بأسماء جديدة: في هذا السيناريو، لا يؤدي تفكك المجلس الانتقالي إلى استقرار، بل إلى ظهور فصائل أصغر، وعنف غير مركزي، واغتيالات سياسية، وصراعات نفوذ داخلية. هنا لا دولة ولا انفصال، بل استنزاف مفتوح يرهق المجتمع ويُفرغ أي سلطة من مضمونها.
3. الصفقة السياسية المؤجلة: وهو المسار الأصعب سياسيًا، لكنه الأكثر عقلانية على المدى الطويل. يقوم على إعادة طرح القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع، عبر تسوية سياسية تضمن الشراكة والتمثيل العادل، بدل الإقصاء أو الفرض العسكري. نجاح هذا السيناريو مشروط بإرادة سياسية شجاعة، وهي حتى الآن غائبة أو مؤجلة.
4. عودة الدولة وملء الفراغ: وهو السيناريو الأكثر حساسية وأهمية، ويتمثل في أن تستثمر السلطة القائمة لحظة انهيار المشاريع الموازية من أجل استعادة الدولة لوظيفتها الأساسية. أي توحيد القرار السياسي، ودمج جميع التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، وإنهاء منطق الجيوش المتعددة والولاءات المناطقية.
هذا السيناريو لا يقوم على الإقصاء، بل على الاحتواء المؤسسي، ولا ينجح إلا إذا ترافق مع إصلاح إداري، وضبط للفساد، وبناء ثقة بين الدولة والمجتمع. ورغم صعوبته، فإنه يبقى المسار الوحيد القادر على تحويل السيطرة إلى سيادة، والقوة إلى شرعية، والفصائل إلى مؤسسات.
الحوثي: الرابح الصامت
في خضم هذه التحولات، يقف الحوثي في موقع المستفيد غير المعلن. فكل انقسام داخل معسكر الشرعية، وكل صراع في الجنوب، يمنحه وقتًا ومساحة سياسية إضافية. وإذا لم تُستثمر اللحظة الحالية لبناء مشروع وطني شامل، فإن أي تقدم في عدن سيبقى ناقصًا، وقد يتحول إلى ورقة تفاوض بيد الخصم.
خاتمة
ما حدث في عدن ليس نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. لقد سقط مشروع بالقوة، لكن مشروع الدولة لم يولد بعد. واليمن اليوم أمام فرصة ضيقة: إما تحويل كسر المشاريع الموازية إلى مدخل لبناء دولة حقيقية، أو الاكتفاء بإدارة الأزمة حتى الانفجار القادم. فالسيطرة الأمنية ليست سياسة، والاستقرار المؤقت ليس دولة، ومن يخلط بينهما، سيدفع الثمن لاحقًا.














