قراءة في قرار مجلس القيادة الرئاسي بعزل فرج البحسني
الخميس 15 يناير 2026 - الساعة 08:08 مساءً
إن قرار مجلس القيادة الرئاسي بعزل فرج البحسني يُعد قرارًا دستوريًا مستندًا إلى الشرعية الانتقالية المنبثقة عن إعلان نقل السلطة الصادر في 7 أبريل 2022، والذي منح المجلس كامل الصلاحيات السيادية لرئيس الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية.
وبموجب هذا الإطار، يملك مجلس القيادة سلطة مساءلة وعزل أعضائه في حال الإخلال الجسيم بالواجبات الدستورية، أو المساس بوحدة الدولة وسيادتها، أو الخروج على مبدأ المسؤولية الجماعية.
وعليه، فإن قرار العزل لا يُعد إجراءً سياسيًا استثنائيًا، بل ممارسة مشروعة لاختصاص سيادي هدفه حماية النظام الدستوري ومنع قيام سلطات موازية خارج إطار الدولة.
وفقًا لدستور الجمهورية اليمنية لعام 1990 وتعديلاته، وإعلان نقل السلطة الصادر في 7 أبريل 2022، فإن الأفعال المنسوبة إلى البحسني لا تندرج ضمن إطار الخلاف السياسي المشروع، بل تمثل مساسًا جسيمًا بالسيادة الدستورية. فقد ثبت تأييده لما سُمّي بـ«الإعلان الدستوري» الصادر عن كيان غير مخوّل، وهو إعلان يشكل اغتصابًا للسلطة التأسيسية، التي لا يملكها إلا الشعب أو المؤسسات الشرعية في ظروف استثنائية محددة. أي إعلان دستوري خارج هذا الإطار يُعد انقلابًا دستوريًا مكتمل الأركان، ويغدو تأييده من عضو في مجلس القيادة مشاركة سياسية واعية في تقويض النظام القائم.
كما أن التشجيع على رفض قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي لا يمكن تبريره باعتباره رأيًا أو اعتراضًا، إذ إن إعلان نقل السلطة جعل من رئيس المجلس المرجعية التنفيذية العليا، وقراراته السيادية ملزمة لأعضائه. تقويض هذا المبدأ يعني عمليًا هدم هرم السلطة من الداخل، والدولة لا تسقط بالدبابات فقط، بل حين يقرر مسؤول سيادي أن يتعامل مع القرار العام بوصفه خيارًا شخصيًا.
أما الإقامة السياسية الدائمة خارج الإقليم السيادي، فليست تفصيلًا إداريًا بريئًا. صحيح أن الإقامة خارج البلاد ليست جريمة بذاتها، لكنها تتحول إلى مخالفة دستورية جسيمة عندما تقترن بتعطيل الواجب السيادي، وممارسة نشاط سياسي مؤثر من خارج نطاق السيادة، واستخدام الصفة الرسمية للتنسيق مع أطراف خارج القرار الوطني. في الفقه الدستوري، يُعرف هذا السلوك بانفصال الوظيفة عن الإقليم السيادي، وهو نمط شديد الخطورة في الدول المنقسمة.
وبالنظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، فإن توصيف ما جرى بوصفه خيانة عظمى ليس خطابًا تعبويًا، بل توصيفًا دستوريًا. فالدستور يربط الخيانة العظمى بالمساس بوحدة الدولة، وتقويض النظام الجمهوري، ودعم أو إنشاء سلطة خارج الإطار الدستوري، وهي معايير تحققت بوضوح في هذه الحالة.
ولهذا التاريخ يعلّمنا أن الدول لا تُبنى بالتردد. تركيا خرجت من معاهدة “سيفر” المذلة بإرادة سياسية حاسمة، وماليزيا تحولت من الهشاشة إلى القوة برؤية واضحة، وسنغافورة صُنعت من العدم بالانضباط والصرامة، وفرنسا الحرة وُلدت من موقف سياسي شجاع، لا من حسابات الخوف. القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس المثالية، بل الحزم في لحظات الخطر.
اليوم، لا يطالب اليمنيون بإجراءات انتقامية، بل بتطبيق ميزان العدالة على الجميع. لا يمكن أن يستمر وزراء أو قادة عسكريون أو مسؤولون كبار في مناصبهم وهم يعلنون صراحة تبنيهم لمشاريع تناقض الدستور ووحدة الدولة.
الوظيفة العامة أمانة من أموال الشعب، وليست غطاءً لممارسة ديمقراطية انتقائية أو لشرعنة الانقسام.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد البيانات، بل بقدرتها على حماية دستورها وهيبتها. واستمرار هذا النهج الحازم ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. فالدولة التي تتسامح مع من يهدمها من الداخل، تحكم على نفسها بالزوال.
اليمن دولة واحدة، وستبقى كذلك، ومن أراد معارضتها أو الانفصال عن مشروعها الوطني فليغادر موقعه العام، لأن الدولة ليست دار رعاية، بل منظومة لحماية القانون والدستور وصون وحدة الوطن.













