الجنوب في الرياض… والشمال خارج المعادلة
الاحد 18 يناير 2026 - الساعة 06:08 مساءً
لم يكن اللقاء التشاوري الجنوبي الذي انعقد في الرياض اليوم حدثًا عابرًا، بل لحظة سياسية لافتة أعادت رسم سقف النقاش حول القضية الجنوبية.
افتتاح اللقاء بالنشيد الوطني الجنوبي ورفع علم الجنوب إلى جانب علم المملكة العربية السعودية، ثم خطاب عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي، شكّل انتقالًا واضحًا لفكرة استعادة دولة الجنوب من خانة المحظور إلى دائرة الممكن سياسيًا.
أهمية المشهد لا تكمن فقط في اللغة المستخدمة، بل في المكان ومن يقف خلف المنصة. حين يُطرح هذا الخطاب في الرياض، ومن داخل إطار الشرعية نفسها، فهذا يعني أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب احتجاجي، بل باتت خيارًا يُناقش ضمن الحسابات الإقليمية، وإن دون تبنٍّ رسمي حتى الآن.
لكن هذا التحول يسلّط الضوء على سؤال أكثر حساسية: أين الشمال؟
الواقع أن الشمال، بصورته الحالية، لم يعد طرفًا سياسيًا فاعلًا، بل ملفًا مؤجلًا. فهو منقسم بين سلطة أمر واقع حوثية، وشرعية بلا نفوذ، ومجتمع منهك فاقد للأدوات. لذلك، لا يُستبعد الشمال بقرار سياسي، بل يتم تجاوزه بحكم العجز. وفي السياسة، لا يُحدد المستقبل بمن يستحق، بل بمن يملك القدرة.
من هنا، لا يمكن قراءة الانفتاح السعودي النسبي على النقاش الجنوبي بوصفه تحوّلًا أيديولوجيًا أو تبنّيًا مبدئيًا لحق تقرير المصير، بل باعتباره تحوّلًا براغماتيًا باردًا. فمشروع “اليمن الواحد القابل للإدارة” أثبت فشله، فيما يبدو الجنوب ـ رغم تناقضاته ـ الكيان الأكثر قابلية للتنظيم والاستقرار النسبي. والسعودية، بعد سنوات من الاستنزاف، تبحث عن أقل الحلول كلفة، لا عن حلول مثالية.
غير أن ما جرى في الرياض لا يعني إعلان دولة جنوبية، لكنه يعبّر عن تحوّل مهم في الإطار السياسي: رفع الحظر عن فكرة كانت تُعد حتى وقت قريب خطًا أحمر. والانتقال من المحظور إلى الممكن هو أخطر مراحل التحول السياسي، لأنه يسبق عادة القرارات الكبرى دون أن يضمنها.
أما السيناريوهات المحتملة للمسار القادم، فهي تتراوح بين ما هو أكثر واقعية وأقل كلفة، وبين ما هو الأكثر صدامًا أو خطورة:
أولا:التعويم المرحلي للجنوب (الأرجح): تثبيت جنوب مستقل عمليًا، لكن دون إعلان دولة، مع اعتراف غير معلن وتوافق إقليمي على إدارة الجنوب ككيان مستقل وظيفيًا.
ثانياً:الاحتواء الفيدرالي (الترقيعي): طرح فيدرالية أو لامركزية موسعة لامتصاص الزخم الشعبي، لكنه يفتقر للمصداقية ويكرر أخطاء الماضي.
ثالثاً:الصفقة الكبرى (مرتبط بالحوثي): تسوية إقليمية تشمل تثبيت الحوثي شمالًا، وتأجيل ملف الجنوب لوقت لاحق، وهو سيناريو هش وغير مستقر.
رابعاً:التجميد والانكفاء: استخدام ورقة الجنوب للضغط ثم تجميد القضية، إذا فشل الجنوب في التماسك أو تراجع الضغط الشعبي.
خامساً:الاعتراف السريع (الأضعف): إعلان دولة جنوبية رسميًا، وهو السيناريو الأقل احتمالًا بسبب معوقات قانونية ودولية.
الخلاصة أن ما حدث في الرياض ليس انتصارًا جنوبيًا مكتملًا، ولا مؤامرة على الشمال، بل انعكاس لواقع مختل: جنوب يُناقش كمستقبل محتمل، وشمال يُدار كأزمة مزمنة. وبين الممكن والمتحقق، تقف مسؤولية الجنوب أولًا، قبل أي رهان على مواقف الآخرين.













