قراءة في خصائص السيطرة على الإيرادات واقتصاد الحرب في المحافظات اليمنية
الاحد 18 يناير 2026 - الساعة 06:23 مساءً
تمهيد: ربط ماذا حدث في حضرموت والجنوب، وما علاقته بتفكيك اقتصاد الحرب؟
التشكيلات العسكرية الفاعلة على مدى سنوات لم تكن أدوات أمنية فقط، بل عملت كوسطاء اقتصاديين بين الموارد السيادية مثل النفط والغاز والموانئ والمنافذ وبين القرار السياسي. كانت القوة العسكرية تمنح حق التحكم بالإيرادات واستخدامها كورقة تفاوض أو تعطيلها عند الحاجة.
ما جرى لم يكن مجرد إعادة انتشار قوات أو إزاحة تشكيلات أو تحجيم أدوار، بل كان إعادة توزيع قسرية لمفاتيح الاقتصاد السياسي للحرب. في جوهره استهدف تفكيك منظومة السيطرة والوساطة المسلحة ومحاصرة اقتصاد الحرب الحاكم في اليمن حاليًا.
إزاحة القوات أو تحجيم دورها تعني عمليًا كسر معادلة “السلاح مقابل الريع”، ولهذا تحديدًا تصاعد التوتر السياسي بعد الأحداث العسكرية لا قبلها، لأن الصراع الحقيقي لم يكن على الأرض بل على من يدير المال بعد السلاح.
عندما يُسحب المال من الحرب تسقط الأطراف وتسقط الحرب بذاتها، وهذا ما يفسر الانهيارات والتغيرات في المواقف.
ما حدث في حضرموت والجنوب لم يكن نهاية مرحلة بل اختبارًا لبداية أخطر مرحلة، وهي مرحلة نزع المال من السلاح وتفكيك اقتصاد الحرب.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى اتفاق سلام شكلي بقدر ما يحتاج إلى تحرير الإيرادات من قبضة السلاح، عندها فقط تصبح السياسة أداة للحل لا واجهة لصراع آخر.
تفكيك اقتصاد الحرب في اليمن أصبح ممكنًا، لكنه لن يكون مثاليًا ولا أخلاقيًا بالكامل، بل سيكون سياسيًا وتدريجيًا ومؤلمًا للنخب. ولن يبدأ باتفاق سياسي شامل، بل بتحرير الغذاء والوقود وسعر الصرف من قبضة قوى الحرب.
إذا كان البديل هو الاستمرار في تغيير الوجوه دون تغيير آلية المال، فلن يؤدي ذلك إلا إلى إعادة تدوير الحرب بأسماء جديدة.
البلد يقف اليوم عند مفترق طرق، إما الاستمرار في دورة الحرب الاقتصادية التي تعمّق الفقر والمعاناة، أو تبني خطة واقعية لتفكيك اقتصاد الحرب خطوة بخطوة وصولًا إلى دولة مؤسسية واقتصاد قادر على دعم شعبه.
الوقت الآن للعمل قبل أن تصبح تكلفة الانتظار أعلى من أي استثمار في الاستقرار.
أي تفكيك لا يبدأ بتوحيد مورد المال وينتهي بضمان هذا التوحيد سيفشل حتى مع وجود اتفاق سياسي.
مسارات تفكيك اقتصاد الحرب
في ظل المتغيرات الراهنة لم يعد التفكيك مسارًا تقنيًا فقط، بل عملية سياسية اقتصادية مركبة تتطلب تدرجًا واقعيًا يوازن بين كسر مصادر الريع العنيف وتفادي الانهيار الاجتماعي.
أولًا، تشخيص اقتصاد الحرب، الذي يقوم على الجبايات غير القانونية في الموانئ والمنافذ والطرق والاتصالات، والتحكم بسلاسل إمدادات الغذاء والوقود، وتعدد مراكز تحصيل الإيرادات وغياب الخزينة الموحدة، وتسليع العملة وسعر الصرف، وتداخل الجانب العسكري والاقتصادي بحيث أصبح القادة العسكريون متحكمين بالإيرادات.
أي تفكيك لا يبدأ بتوحيد موارد الأموال سيفشل حتى مع اتفاق سياسي.
ثانيًا، كبح الريع دون صدام شامل عبر تحييد الموارد السيادية مثل النفط والغاز والموانئ والاتصالات، وإخراجها من التفاوض العسكري، وإدارتها عبر آلية فنية محايدة مرتبطة بالبنك المركزي، وربط العائدات حصريًا بتمويل الرواتب والغذاء والوقود والخدمات الأساسية.
يعتمد هذا المسار على استراتيجية الاحتواء بدل المواجهة، بتحويل قادة النفوذ من مستفيدين من الجبايات إلى شركاء في الاستقرار الاقتصادي المشروط، وربط أي موارد محلية بمؤشرات التزام مثل الشفافية والتوريد والانضباط.
ثالثًا، تفكيك مصادر التمويل عبر توحيد تحصيل الإيرادات، ومنع التحصيل النقدي، وفرض التوريد الإلكتروني المباشر للبنك المركزي، وفصل التحصيل عن الصرف.
كما يشمل تفكيك اقتصاد سعر الصرف عبر توحيد نافذة الاستيراد، ووقف المضاربة المرتبطة بالنفط والوديعة، وربط العملة بالموارد الفعلية لا بالتوقعات السياسية.
رابعًا، ضرب جوهر اقتصاد الحرب عبر كسر الاحتكار، وفتح استيراد القمح والوقود عبر منافذ متعددة، وإلغاء الامتيازات الحصرية، ودعم المنافسة بدل الدعم السلعي.
خامسًا، إعادة توجيه الإنفاق من الإنفاق العسكري غير المنتج إلى الغذاء والطاقة والنقل والزراعة، لأن كل ريال يُصرف على الغذاء يقلل اعتماد المجتمع على شبكات الحرب.
سادسًا، تفكيك القاعدة الشعبية للحرب عبر صرف الرواتب بشكل منتظم ومشروط، وربطها بالتعليم والصحة والخدمة العامة، وخلق اقتصاد بديل محلي لتشغيل الشباب في الزراعة والطاقة الشمسية والموانئ والخدمات اللوجستية.
تفكيك اقتصاد الحرب في اليمن لن يبدأ باتفاق سياسي شامل، بل بتحرير الغذاء والوقود وسعر الصرف من قبضة الحرب، وعندما يُسحب المال من الحرب تسقط الحرب والأطراف وحدها.
الخصائص وإمكانية التفكيك في المحافظات
هل يمكن استعادة الإيرادات وتفكيك منظومة الاقتصاد الأسود في تعز ومأرب والمخأ وعدن؟ نعم، ولكن بشروط مختلفة لكل منطقة.
أولًا: عدن
عدن ليست مشكلة محلية فقط، بل مفتاح عودة الدولة أو مفتاح انهيارها، لأنها العقدة المركزية في أي حديث عن تفكيك اقتصاد الحرب. إذا نجح الإصلاح فيها يصبح التفكيك ممكنًا في بقية اليمن، وإذا فشل ستظل الحلول جزئية بلا أثر استراتيجي.
عدن ليست موردًا فقط بل مركز تحكم، فهي تضم ميناء رئيسيًا ومصفاة نفط وجمارك وضرائب ونافذة الاستيراد الأولى ومركز البنك المركزي، ومن يسيطر على عدن لا ينتج المال فقط بل يقرر من يحصل عليه ومتى.
تحولت إيرادات عدن إلى قلب اقتصاد الحرب بسبب تعدد نقاط التحصيل وتداخل السلطات الأمنية والسياسية والإدارية ووجود شبكات تحصيل وصرف غير مرئية، ما خلق اقتصاد ظل ضخم داخل الدولة الرسمية.
عدن تحولت من عاصمة مؤقتة إلى ساحة ابتزاز متبادل، وفشل القوى المسيطرة في إدارتها لم يكن بسبب العجز الإداري بل لأن السيطرة الأمنية لا تعني السيطرة المالية.
تفكيك اقتصاد الحرب في عدن ممكن لكنه صعب ويتطلب تحييد المرافق السيادية وربطها مباشرة بالبنك المركزي، ومركزية التحصيل مقابل لا مركزية الصرف، وكسر اقتصاد الكهرباء والوقود، وفصل الأمن عن الجباية.
استعادة عدن ماليًا هي المدخل الوحيد لبناء دولة، وبدون ذلك لا رواتب ولا استقرار للعملة ولا تفكيك حقيقي لاقتصاد الحرب.
ثانيًا: مأرب
مأرب هي الحالة الأقرب للتطبيق بسبب وضوح الإيرادات وتماسك السلطة نسبيًا. نجاح التفكيك فيها ممكن بنسبة متوسطة إلى عالية إذا جرى فصل إيرادات الغاز عن القرار العسكري وتوجيهها للرواتب والكهرباء والغذاء، مع ضمانات صرف واضحة وإشراف فني وحماية سياسية غير مباشرة.
نجاح التفكيك في مأرب مشروط بفهمه كإعادة توزيع للنفوذ لا ككسر إرادة.
ثالثًا: تعز
تعز هي الحالة الأصعب سياسيًا بسبب تعدد القوى وغياب مورد سيادي كبير، لكن تفكيك اقتصاد الحرب فيها ممكن عبر الخدمات لا السلاح، بإنهاء التحصيل النقدي، وتوحيد الإيرادات المحلية، وربط الصرف بالخدمات، ودفع رواتب منتظمة مقابل إنهاء الجبايات.
نجاح تعز سيُضعف الخطاب الشعبوي ويُفقد الحرب قاعدتها الاجتماعية.
رابعًا: المخأ والساحل الغربي
المخأ تمثل الحالة الأسرع أثرًا، فهي ميناء ناشئ بلا إرث ثقيل، ويمكن أن تتحول إلى نموذج شفاف إذا أُديرت إدارة فنية مستقلة مرتبطة بالبنك المركزي مع توريد كامل وشفافية وتوزيع عادل للعائدات.
الخطر هو أن يتحول الميناء إلى ريع جديد لنخبة مختلفة، ولهذا فإن التفكير المبكر ضرورة لتجنب إعادة إنتاج اقتصاد حرب أكثر كفاءة.
الخلاصة
المخأ والساحل الغربي ليس ساحة حرب بل ساحة اختبار للدولة. إذا أُديرا كمورد شفاف ووظيفة سيادية وذراع إنمائي فسيكونان أول كسر حقيقي لدورة اقتصاد الحرب في اليمن. أما إذا أُهمل هذا المسار فسيُصنع اقتصاد حرب جديد بواجهة مختلفة.
انتهى.













