شرط نجاح حكومة الكفاءات: قراءة تحليلية في سياق تشكيل الحكومة في اليمن
الاثنين 26 يناير 2026 - الساعة 05:55 مساءً
في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الممتدة التي تعيشها الجمهورية اليمنية منذ أكثر من عقد، عاد مفهوم “حكومة الكفاءات” إلى الواجهة بوصفه أحد الحلول المقترحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وكسر حلقة المحاصصة، والحد من الفشل الإداري المزمن.
غير أن التجارب المقارنة في الدول الهشة تُظهر أن مجرد الإعلان عن حكومة كفاءات لا يعني بالضرورة تحقيق إصلاح فعلي، ما لم تُستوفَ مجموعة من الشروط البنيوية والسياسية التي تمنح هذا النموذج مضمونًا حقيقيًا وفاعلية عملية.
أولًا: التفويض السياسي الواضح والبرنامج القابل للقياس
الشرط الجوهري لنجاح أي حكومة كفاءات يتمثل في حصولها على تفويض سياسي صريح، محدد، ومسنود ببرنامج إصلاحي واضح المعالم.
فالحكومة التي لا تعرف بدقة ما هو المطلوب منها، وضمن أي سقف زمني، تتحول سريعًا إلى إدارة تصريف أعمال موسعة بلا أثر إصلاحي.
البرنامج الإصلاحي لا ينبغي أن يُصاغ بصيغة شعارات عامة، بل عبر خطط تنفيذية قابلة للقياس في قطاعات حيوية مثل المالية العامة، الكهرباء، التعليم، الصحة، وإعادة الإعمار، مع مؤشرات أداء محددة يمكن تقييمها دوريًا.
في الحالة اليمنية، يثار جدل واسع حول ما إذا كان التشكيل الحكومي المرتقب يعكس تحولًا فعليًا نحو منطق الكفاءة، أم أنه إعادة إنتاج لمنظومة المحاصصة التقليدية بواجهة تكنوقراطية.
هذا الجدل يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب توافق سياسي جامع يمنح الحكومة تفويضًا حقيقيًا، ويؤكد أن حكومة الكفاءات لا يمكن أن تنجح دون مظلة سياسية داخلية داعمة وآليات رقابة مستقلة، برلمانية ومجتمعية، تحمي البرنامج الإصلاحي من الابتزاز الحزبي أو الإقليمي.
ثانيًا: الشفافية ومأسسة المساءلة عبر مؤشرات الأداء
الشرط الثاني يتمثل في ترسيخ الشفافية بوصفها ركيزة أساسية للعمل الحكومي، لا مجرد قيمة أخلاقية. فغياب الشفافية يحوّل “الكفاءة” إلى توصيف رمزي بلا مضمون، ويمنع محاسبة المسؤولين على أدائهم الفعلي.
الشفافية تقتضي إعلان معايير الاختيار الوزاري، نشر السير المهنية الحقيقية للوزراء، وتقديم تقارير دورية للرأي العام حول نسب الإنجاز والإخفاق.
في السياق اليمني، حيث تآكلت الثقة بين المواطن والدولة نتيجة الحرب والانقسامات وسوء الإدارة، تصبح الشفافية شرطًا لبناء الحد الأدنى من القبول الشعبي لأي إصلاحات مؤلمة أو قرارات صعبة. فالإصلاح في بيئة من انعدام الثقة دون شفافية، هو وصفة مؤكدة للفشل، مهما بلغت كفاءة الأفراد تقنيًا.
ثالثًا: التوازن بين الخبرة التقنية والواقعية السياسية
الشرط الثالث، وربما الأكثر تعقيدًا، هو تحقيق توازن دقيق بين الخبرة التقنية والحسّ السياسي. فحكومة الكفاءات التي تتجاهل الواقع السياسي المحيط بها محكوم عليها بالعجز. في الدول الخارجة من النزاعات، لا يكفي أن يكون الوزير خبيرًا في مجاله، بل يجب أن يمتلك القدرة على التفاوض، إدارة التوازنات، وبناء التحالفات اللازمة لتمرير القرارات الإصلاحية.
في اليمن، لا يمكن فصل العمل الحكومي عن سياق الصراع المسلح، والانقسامات الداخلية، وترتيبات الاتفاقات السياسية القائمة. تجاهل هذه المعطيات يحوّل الحكومة إلى كيان إداري معزول، فاقد للتأثير، تُشل قراراته أو تُفرغ من مضمونها تحت ضغط الفاعلين السياسيين والعسكريين.
خاتمة تحليلية:
إن تشكيل حكومة كفاءات في اليمن يظل فرصة مشروطة، لا ضمانة بحد ذاته. النجاح مرهون بتوافر تفويض سياسي واضح، وبرنامج إصلاحي قابل للقياس، وشفافية مؤسسية، إضافة إلى قدرة الحكومة على الموازنة بين التقنية والسياسة. دون ذلك، سيبقى شعار “حكومة الكفاءات” مجرد إعادة تدوير لغوية لمنظومة حكم مأزومة.
في حال خضعت الحكومة المقبلة لمنطق المحاصصة أكثر من منطق الكفاءة، فإنها لن تساهم في تعزيز الاستقرار أو استعادة الثقة، بل ستكرّس إخفاقات الماضي بصيغة جديدة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأسماء، بل في البنية السياسية والمؤسسية التي تحكم عمل الحكومة، وفي قدرتها على التحول من شعار إصلاحي إلى أداة فعلية لإعادة بناء الدولة.














