ثوابت ومتغيرات الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الإيرانية القائمة
الثلاثاء 03 مارس 2026 - الساعة 03:39 صباحاً
خلافًا للاعتقاد الشائع بأن الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية في المواجهة الراهنة مع إيران ترتكز أساسًا على استهداف رأس النظام وبنيته السياسية والقيادية، تكشف قراءة متأنية لأنماط الضربات الميدانية عن مقاربة أكثر تركيبًا.
فالمسار العملي للاستهدافات يركّز، بدرجة كبيرة، على تفكيك البنية التحتية العسكرية والأمنية والشرطية، بوصفها العمود الفقري لقدرة الدولة على الضبط والسيطرة.
ويهدف هذا النهج إلى إفراغ المجال الداخلي من أدوات الردع المباشر، وخلق فراغ أمني نسبي يسمح بتهيئة البيئة أمام أي حراك احتجاجي محتمل، يمكن توظيفه لدفع عملية إسقاط النظام من الداخل، وإضفاء طابع داخلي على مسار التدخل الخارجي.
غير أنّ هذا السيناريو، الذي كان يُنظر إليه قبل اندلاع المواجهة بوصفه الخيار الأكثر ترجيحًا، لم يعد يحظى بذات الزخم ويعود ذلك إلى مجموعة من المتغيرات التي فرضت نفسها على الأرض، وقلّصت من فرص تحققه.
أولى هذه المتغيرات، فشل الرهان على إحداث انشقاقات هيكلية داخل بنية النظام الإيراني، سواء في المؤسسة العسكرية أو الأمنية أو حتى داخل النخبة السياسية.
فقد أظهرت هذه البنى، رغم ما تعانيه من اختلالات داخلية، درجة من التماسك المؤسسي أعلى مما كان متوقّعًا، الأمر الذي أضعف فرضية التفكك السريع من الداخل.
أما المتغير الثاني، فيتمثل في سلوك الشارع الإيراني نفسه، إذ أظهر حتى اللحظة مستوى من التماسك الوطني، تغذّيه سردية التهديد الخارجي أكثر مما تُضعفه الضغوط الاقتصادية أو السياسية وهو تماسك لا يعني بالضرورة ولاءً للنظام، بقدر ما يعكس أولوية الهوية الوطنية في لحظة الصراع المفتوح.
ويأتي المتغير الثالث ليكمّل هذه الصورة، ويتمثل في أن طبيعة الاستهدافات وحجم الخسائر المدنية المصاحبة لها لم تُنتج البيئة الاحتجاجية المرجوّة، بل أسهمت، على نحو غير مباشر، في إعادة توجيه المزاج العام نحو منطق الدفاع عن السيادة، بدل الانخراط في مسار تصادمي مع الدولة.
في ضوء هذه المتغيرات بدا واضحًا أنّ الولايات المتحدة بدأت تعيد ترتيب خياراتها، متجهة نحو سيناريوهات أكثر طولًا وتعقيدًا، في مقدّمتها خيار الإضعاف التدريجي للنظام الإيراني. هذا الخيار لا يَعِد بحسم سريع، بقدر ما يؤسّس لصراع ممتدّ يقوم على الاستنزاف المتراكم، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، مع ترك باب التصعيد مفتوحًا وفق مقتضيات اللحظةو قد انعكس هذا التحوّل في الخطاب السياسي الأمريكي، ولا سيما في تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي ألمح إلى إمكانية تجاوز الحرب للإطار الزمني الذي كان متوقّعًا، بل ذهب إلى التلويح بخيار الغزو البري. وهو خيار، على مفارقته، قد يمنح إيران فرصة لإعادة إنتاج سرديتها التعبوية، وتوسيع دائرة التعاطف الإقليمي والدولي معها، فضلًا عن توحيد خصوم الولايات المتحدة في جبهة أوسع.
في المقابل، تدرك طهران أنّ خياراتها الاستراتيجية باتت أكثر ضيقًا، والسيناريو الأكثر تفاؤلا بالنسبة لها يتمثل الصمود طويل الأمد، ورفع كلفة العمليات الأمريكية–الإسرائيلية، والسعي إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار، بما يحوّل المواجهة من مشروع إسقاط سريع إلى معادلة استنزاف مفتوحة على الزمن، حيث يصبح عامل الوقت سلاحًا بحد ذاته.













