الحوثيون.. استراتيجية "التقية" السياسية وحسابات البقاء فوق أجندة طهران

الاثنين 30 مارس 2026 - الساعة 08:14 مساءً

 

​تُظهر المعطيات الراهنة على الساحة اليمنية أن جماعة الحوثي تدير مواقفها وفق حسابات دقيقة ومعقدة، تتركز في جوهرها على غريزة "البقاء" والحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها خلال سنوات الحرب. ورغم الارتباط العضوي بمحور إيران، إلا أن الجماعة تبدو اليوم أكثر حرصاً على حماية نفوذها في صنعاء كأولوية قصوى، تتقدم حتى على رغبات طهران في التصعيد الإقليمي الشامل.

 

​التصعيد المحسوب.. الهروب من المواجهة الحاسمة 

 

​تدرك الجماعة جيداً أن أي تهديد حقيقي ومباشر لأمن المملكة العربية السعودية سيقود إلى رد فعل حاسم، لن يقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل سيمتد لتقويض كافة التفاهمات والمفاوضات القائمة. لذا، تتبنى الجماعة لغة "التصعيد المحسوب"، محاولةً إبقاء التوتر ضمن حدود لا تسمح بخلط الأوراق السياسية أو العودة إلى نقطة الصفر، وهو ما يعكس براغماتية تهدف إلى تحويل المكاسب العسكرية المؤقتة إلى مكاسب سياسية مستدامة عبر "استراتيجية المماطلة" وتثبيت الأمر الواقع.

 

​تناقض الخطاب.. "التقية" كأداة للمناورة 

 

​تمارس المليشيا ازدواجية واضحة في خطابها؛ فهي تحاول إقناع الوسطاء الدوليين والمملكة العربية السعودية بجدية انخراطها في السلام واستقلالية قرارها عن طهران. لكن هذا الخطاب "الناعم" سرعان ما يتبخر عند العودة إلى الجبهة الداخلية، حيث تظهر الحقيقة على لسان قادتها (سواء عبر يحيى سريع أو عبد الملك الحوثي) الذين ينفون كل ما قيل للوسطاء. هذا النهج القائم على "التقية" السياسية ليس جديداً، بل هو سلوك متجذر في الجماعة منذ حروب صعدة الست وحتى اللحظة.

 

​البخيتي وتبريرات "الاستعجال": إرباك أم تبادل أدوار؟ 

 

​ما يؤكد هذا التخبط والمناورة في المساحات الضيقة، هو ما خرج به عضو المكتب السياسي ومنتحل صفة محافظ ذمار، محمد البخيتي، في تصريحاته الأخيرة عبر قناة الجزيرة مساء السبت. لقد حاول البخيتي تبرير العمليات الأخيرة بالادعاء بأنها تمت "دون علم القيادة السياسية"، معزياً ذلك إلى ما وصفه بـ "اشتياق القوات للقتال".

 

​هذا التصريح ليس مجرد اعتراف بخلل تنظيمي، بل هو انعكاس لمحاولة الجماعة امتصاص غضب المجتمع الدولي والهروب من تبعات التصعيد بادعاء "عفوية" الفعل العسكري، وفي الوقت ذاته هي رسالة للداخل تهدف لإظهار القوة وإذلال الشعب اليمني، وتأكيد أن القوة العسكرية "تستعجل" المواجهة لفرض شروطها.

 

العفوية واستنكار للمراوغة 

 

​أثارت تصريحات محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي للمليشيا، موجة عارمة من ردود الأفعال المستنكرة والساخرة على حد سواء، حيث اعتبرها مراقبون وسياسيون يمنيون "سقطة سياسية" ومحاولة مفضوحة للهروب من المسؤولية الدولية. وجاءت أبرز الردود كالتالي:

 

​1. التشكيك في التراتبية العسكرية:

 

سخر ناشطون وإعلاميون من ادعاء البخيتي بأن "القوات العسكرية استعجلت دون علم القيادة"، مؤكدين أن جماعة الحوثي قائمة على نظام "الولاية" والمركزية الشديدة، ولا يمكن لطلقة واحدة أن تخرج دون توجيهات عليا من صعدة. واعتبروا هذا التصريح اعترافاً ضمنياً بوجود "تخبط" أو محاولة بائسة لرمي التهمة على القادة الميدانيين لتجنب تبعات العقوبات أو الرد العسكري.

 

​2. السخرية من مبرر "الاشتياق للقتال":

 

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الساخرة على عبارة "اشتياق القوات للقتال"، حيث تساءل البعض: "هل أصبح مصير السلم والحرب في اليمن مرهوناً بالحالة العاطفية لمقاتلي الجماعة؟". واعتبر محللون أن هذا المنطق يعكس استهتار الجماعة بدماء اليمنيين وبأمن المنطقة، وتصوير الحرب وكأنها "نزهة" وليست كارثة إنسانية.

 

​3. استراتيجية "تبادل الأدوار":

 

رأى سياسيون أن حديث البخيتي يندرج ضمن استراتيجية "تبادل الأدوار"؛ فبينما يظهر الوفد المفاوض بمظهر المسالم والمستعد للحوار، تخرج القيادات الميدانية والسياسية (أمثال البخيتي) لتقديم مبررات واهية للتصعيد، بهدف الضغط على الوسطاء الدوليين والمملكة العربية السعودية لتحقيق مكاسب إضافية في ملفات الرواتب والمطار والميناء.

 

​4. غضب شعبي من "إذلال الداخل":

 

على الصعيد الشعبي، اعتبر الكثيرون أن حديث البخيتي عن "تهدئة الداخل" عبر العمليات العسكرية هو إقرار صريح بأن الجماعة لا تملك مشروعاً لبناء الدولة أو توفير الخدمات، بل تعتمد على "تصدير الأزمات" وصناعة البطولات الوهمية لإلهاء الشعب عن جوعه ومطالبه الأساسية، وهو ما وصفه البعض بـ"سياسة الإذلال الممنهج".

 

​5. رسالة للمجتمع الدولي:

 

واعتبر مراقبون دوليون أن هذه التصريحات تفقد الجماعة ما تبقى من "مصداقية" (إن وجدت) أمام المجتمع الدولي والمبعوث الأممي، إذ كيف يمكن التفاوض مع جماعة تدعي أن قرارها العسكري ليس بيد قيادتها السياسية؟ هذا التناقض يضع الوسطاء في مأزق ويؤكد أن الجماعة غير ناضجة سياسياً للوفاء بأي التزامات.

 

​اللعب في المساحات الضيقة 

 

​يرى المراقبون أن لجوء الجماعة المصنفة إرهابية للعب في المساحات الضيقة والمراوغة المستمرة قد لا يخدمها طويلاً. فبين خيار الحسم العسكري الذي تخشاه، وخيار التفاوض السياسي الذي يفرض عليها التزامات وطنية، تظل الجماعة تراوح مكانها، محاولةً كسب الوقت دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد مشروعها بالكامل إلى نقطة الصفر.

 

​إن المشهد اليمني بتعقيداته وتداخلاته الإقليمية، لم يعد يحتمل المزيد من المناورات الحوثية، فالحقيقة التي تظهر خلف أقنعة "التقية" السياسية تؤكد أن الجماعة تضع مصالحها الضيقة فوق كل اعتبار، ضاربةً عرض الحائط بآمال اليمنيين في سلام حقيقي ومستدام.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس