ازدواجية الأقنعة وتكتيكات البقاء: قراءة في استراتيجية الإخوان تجاه المحور الإيراني
الاربعاء 08 ابريل 2026 - الساعة 11:35 مساءً
تفتح دراسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية نافذة حيوية على واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وإثارة للجدل في مشهد الإسلام السياسي المعاصر، وهي علاقة تنظيم الإخوان المسلمين بالنظام الإيراني وأذرعه العسكرية في المنطقة.
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أنّ موقف الجماعة من التصعيد الإيراني الراهن في الإقليم ليس وليد مصادفة عاطفية، بل هو نتاج تزاوج نفعي بين مشروعين يشتركان في كراهية "الدولة الوطنية" العربية ويسعيان لتقويض أركانها.
وتشدد الدراسة على أنّ ما يظهر للعلن من خطابات إخوانية تمجد "المقاومة" وتحتفي بضربات المحور الإيراني، يخفي وراءه حسابات تهدف إلى استنزاف الخصوم المحليين للجماعة، وتأمين موارد مالية ولوجستية في زمن العزلة الدولية التي تضرب التنظيم الدولي للإخوان.
الجذور الفلسفية واللقاء عند حافة الفوضى
تغوص الدراسة في العمق التاريخي لتفسير هذا التماهي الحالي، مشيرة إلى أنّ اللقاء بين الطرفين يتجاوز البراغماتية السياسية إلى "وحدة المرجعية في التغيير الراديكالي".
لقد وجد الإخوان في نموذج الثورة الإيرانية عام1979 تجسيداً عملياً لفكرة "الانقلاب الشامل" على الأنظمة القائمة، وهو ما نظّر له سيد قطب في أدبياته حول "الجاهلية والحاكمية". هذا التلاقي الإيديولوجي خلق نوعاً من "التقية السياسية" المتبادلة، حيث يتجاوز الطرفان الخلاف المذهبي الحاد "السنّي - الشيعي" لصالح أهداف حركية عليا تتمثل في تفتيت السيادة الوطنية للدول العربية.
يسعى الإخوان عبر منصاتهم في لندن وإسطنبول إلى إحراج الأنظمة العربية من خلال المقارنة بين ما يصفونه بـ "المواجهة الإيرانية "والصمت العربي. هذا الخطاب المعلن يهدف في جوهره إلى استعادة الشرعية الشعبية التي فقدتها الجماعة عقب أحداث الربيع العربي عبر التمسح بيافطة القضية الفلسطينية والقدس.
وتؤكد الدراسة أنّ الإخوان يترقبون النتائج الميدانية للتحركات الإيرانية باعتبارها "كاسحة ألغام" تقوم بإنهاك المؤسسات العسكرية والأمنية العربية، ممّا يهيئ الساحة مستقبلاً لعودة الجماعة كبديل منظم في حالات الانهيار المؤسسي المتوقعة.
المعلن الإخواني: صناعة المظلومية والبطولة الزائفة
في استعراضها للموقف المعلن تشرح الدراسة كيف يوظف الإخوان آلتهم الإعلامية الضخمة لتقديم السردية الإيرانية للشارع السنّي في قالب "بطولي".
ويسعى الإخوان عبر منصاتهم في لندن وإسطنبول إلى إحراج الأنظمة العربية من خلال المقارنة بين ما يصفونه بـ "المواجهة الإيرانية "و"الصمت العربي". هذا الخطاب المعلن يهدف في جوهره إلى استعادة الشرعية الشعبية التي فقدتها الجماعة عقب أحداث الربيع العربي، عبر التمسح بيافطة القضية الفلسطينية والقدس.
وترى الدراسة أنّ الجماعة تدرك تماماً أنّ الشارع العربي يميل عاطفياً لمن يرفع شعار المقاومة، لذا فهي تقدم "غطاءً سنّياً "شرعياً للتدخلات الإيرانية، ممّا يسهل على طهران التغلغل في المجتمعات السنّية دون إثارة الحساسيات المذهبية التقليدية، وهو ما يخدم في النهاية مصلحة التنظيم الإخواني في البقاء فاعلاً وسط الأمواج السياسية المتلاطمة.
الخفي في التحالف :البراغماتية فوق الاعتبارات العقدية
تنتقل الدراسة بعد ذلك إلى تفكيك الجوانب الخفية وغير المعلنة في هذا التحالف، حيث تسلط الضوء على الاعتماد اللوجستي والمادي المتزايد لبعض أجنحة الجماعة على الدعم الإيراني.
ففي ظل تجفيف منابع التمويل التقليدية أصبحت طهران شرياناً مالياً حيوياً، ليس فقط لحركة حماس، بل لتيارات أخرى داخل التنظيم الدولي ترى في "المحور الإيراني" الملاذ الأخير.
وتكشف الدراسة أنّ هناك تفاهمات سرّية تتعلق بتأمين مسارات آمنة لقيادات إخوانية مطلوبة دولياً، وتوفير ساحات تدريب مشتركة، وتبادل الخبرات في إدارة الفضاء الرقمي والحروب السيبرانية. هذا الجانب الخفي يعكس حالة من "اليأس الاستراتيجي" لدى الجماعة، حيث تضحي بآخر ما تبقى من مصداقيتها العقدية مقابل البقاء التنظيمي، معتبرة أنّ التحالف مع "الولي الفقيه" هو ضرورة مرحلية لتجاوز محنة الإقصاء السياسي التي تعيشها في عواصم المركز العربي.
انعكاسات الصراع الحالي على الأمن القومي العربي
تُحذّر الدراسة من أنّ هذا التواطؤ الإخواني الإيراني يمثل تهديداً وجودياً لكيان الدولة العربية المعاصرة. فعندما يبارك الإخوان أنشطة الميليشيات المرتبطة بإيران، فإنّهم يسهمون بشكل مباشر في "شرعنة الميليشيا" على حساب "شرعية الدولة".
وترصد الدراسة كيف تحولت منصات الإخوان إلى أبواق تبرر استهداف الممرات المائية الدولية والمنشآت الحيوية في دول عربية، طالما أنّ ذلك يصبّ في مصلحة المحور الذي يدعمهم. هذا الموقف يضعف الموقف التفاوضي العربي الجماعي ويخلق ثغرات داخلية تسمح للقوى الخارجية بالعبث بالنسيج الاجتماعي. وترى الدراسة أنّ الإخوان يلعبون دوراً تخريبياً من الداخل عبر تزييف وعي القواعد الشبابية، وإقناعهم بأنّ العدو هو الدولة الوطنية وليس المشاريع التوسعية الإقليمية، ممّا يمهد الطريق لنشوء أجيال جديدة من المتطرفين الذين لا يؤمنون بحدود أو سيادة.
مستقبل العلاقة: مقامرة كبرى على حافة الهاوية
في الفصول الختامية تضع الدراسة تصورات لمستقبل هذا التحالف في ظل احتمالات اتساع رقعة الحرب الإيرانية الحالية. وتشير التوقعات إلى أنّ الجماعة تخوض "مقامرة كبرى" قد تؤدي بها إلى الانتحار السياسي في حال انكسار المحور الإيراني أو تعرّضه لضربة قاصمة، حيث ستجد نفسها بلا غطاء وبلا موارد. أمّا في حال انتصار هذا المحور، فإنّ الجماعة قد تواجه سيناريو "الابتلاع"، حيث لن تسمح إيران للإخوان بمنافستها على قيادة العالم الإسلامي، بل ستكتفي باستخدامهم كأدوات وظيفية ثانوية.
تشير التوقعات إلى أنّ الجماعة تخوض "مقامرة كبرى "قد تؤدي بها إلى الانتحار السياسي في حال انكسار المحور الإيراني أو تعرّضه لضربة قاصمة، حيث ستجد نفسها بلا غطاء وبلا موارد. أمّا في حال انتصار هذا المحور، فإنّ الجماعة قد تواجه سيناريو "الابتلاع".
وتخلص الدراسة إلى أنّ رهان الإخوان على إيران هو رهان "انتحاري" يُعبّر عن إفلاس سياسي تام، لأنّ الجماعة فقدت بوصلتها الوطنية، وأصبحت مجرد صدى لمشروع إقليمي غريب عن تطلعات الشعوب العربية. وتختم الدراسة بالتأكيد على ضرورة وعي النخب العربية والدوائر السياسية لهذه الازدواجية، وفهم أنّ ما يطرحه الإخوان من شعارات دينية ما هو إلا ستار كثيف لإخفاء تحالفاتهم مع القوى التي تسعى لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤى طائفية وتوسعية.
خلاصة القول في الموقف الإخواني
إنّ القراءة المتأنية لدراسة (ICSS) تُظهر بوضوح أنّ جماعة الإخوان المسلمين قد تخلت عن دورها كـ "حركة إصلاحية" مزعومة، لتتحول إلى "تنظيم وظيفي" يقتات على الأزمات الإقليمية. إنّ التوافق بين "المعلن" الدعوي و"الخفي" التآمري يبرز حقيقة الجماعة ككيان لا يجد غضاضة في التحالف مع ألد أعداء الأمة مقابل الحصول على موطئ قدم في خارطة النفوذ القادمة. والحرب الإيرانية الحالية لم تكن سوى الاختبار الذي كشف زيف الادعاءات الإخوانية بالحرص على السيادة السنّية أو الحقوق العربية، وأثبتت أنّ التنظيم الدولي مستعد لحرق المنطقة بكاملها إذا كان ذلك سيمنحه فرصة للعودة إلى سدة الحكم، أو حتى مجرد البقاء في المشهد ولو كوكيل لمشاريع خارجية. إنّها "رقصة الموت" التي يمارسها الإخوان على إيقاع الطبول الإيرانية، وهي رقصة قد تكون الأخيرة في تاريخ الجماعة التي فقدت كل مبررات وجودها الأخلاقي والوطني.
▪︎ صحفية مصرية وباحثة مختصة بالإسلام السياسي والإرهاب














