المنظمات الدولية والدولة الغائبة

الاثنين 01 يونيو 2026 - الساعة 10:27 مساءً

 

في ظل تصاعد دور المنظمات الدولية والإنسانية كجهات فاعلة ورئيسية في تقديم الخدمات، وتراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وأصبح هناك الكثير من التحولات العميقة الضارة التي طرأت على مشهد الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب.

 

ففي ظل غياب سياسات واضحة لتنظيم العمل الإنساني، وضعف الحوكمة، والانقسام السياسي والمؤسسي، سُمح للمنظمات بالتحول إلى فاعل رئيسي يملأ فراغ غياب الدولة، دون المساهمة في بناء مؤسسات الدولة.

 

 تشير نتائج التدخلات هذه على الواقع، إلى وجود تضارب في الأولويات بين العمل الإنساني الآني ومتطلبات بناء الدولة على المدى الطويل، كما إن استمرار الاعتماد على المساعدات دون رؤية للانتقال إلى التنمية، أضعف الحافز المؤسسي لبناء مؤسسات قادرة على الصمود، وساهم في تعزيز "اقتصاد المعونات" على حساب اقتصاد الدولة، و يكشف جلياً كيف تم هذا التخادم في تغييب الدولة عن إدارة الموارد. 

 

كما أن بعض المشاريع الإنسانية، رغم نواياها الجيدة، بسبب ضعف المساءلة قد ساهمت في تعزيز شبكات الفساد المحلية، أو في خلق وتكريس علاقات زبائنية مع سلطات محلية غير خاضعة للمساءلة، أضف إلى ذلك فإن هيمنة المنظمات على الخدمات في المجال الإنساني والتنموي في اليمن، قد أدى بشكل غير مباشر إلى تلاشي دور الدولة، بل وأسهمت في ترسيخ سلطات الأمر الواقع، وتكريس الاعتماد الخارجي في الإقتصاد والمالية العامة.

 

إن إيضاح التباعد والعلاقة المعقدة بين إختصاص ومشاريع المنظمات الدولية العاملة في اليمن وبين وظائف الدولة التي تآكلت خلال سنوات الحرب، وتسليط الضوء على الطريقة التي ساهمت بها التدخلات الإنسانية والإغاثية، (رغم أهميتها)، في تهميش مؤسسات الدولة وتكريس حالة "الدولة الغائبة"، وإستبدال المهام والوظائف العامة للدولة بمشاريع المنظمات، والتأثير السياسي غير المباشر لبعض الأنشطة الإنسانية، يكون في أربعة عناوين:

 

١- مظاهر فشل الدولة في أداء وظائفها الأساسية كـ(الصحة، التعليم، المياه، الحماية الاجتماعية)، وكيف تم إحلال المنظمات محلها كفاعل أساسي.

 

٢- تمدد نفوذ المنظمات الدولية مقابل انحسار نفوذ الوزارات والمؤسسات الوطنية، مما أدى إلى إضعاف القدرات الإدارية، واستمرار تمزيق الأوعية المالية للدولة.

 

٣- غياب التنسيق الفعّال بين المنظمات والجهات الرسمية، ما أدى إلى تكرار التدخلات أو تعارضها، وتعميق الفجوة بين العمل الإنساني واحتياجات التنمية الحقيقية.

 

٤- الآثار السلبية لتسييس العمل الإنساني، وارتباط بعض تدخلات المنظمات بأجندات سياسية، مما زاد من تعقيد المشهد، وأسهم في تفكيك منظومة الدولة الموحدة.

 

وعليه:- 

هناك حاجة ملحّة لإعادة هندسة العلاقة بين العمل الإنساني وبناء الدولة، من خلال مقاربة تدمج الاستجابة الطارئة مع دعم المؤسسات الرسمية، وتضمن الشفافية، وتعزز من قدرة الدولة على استعادة وظائفها، كشرط ضروري لتحقيق التعافي الاقتصادي وإعادة بناء السلام.

 

وضرورة عاجلة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمنظمات على أسس من الشفافية، والشراكة، واحترام السيادة الوطنية، بما يضمن تعزيز دور الدولة بدلًا من تقويضه، وتحقيق التوازن بين تلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة ومتطلبات التنمية المستدامة وإعادة الإعمار.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس