هذا ما فعلته بنا الحرب (6)

الاحد 09 أغسطس 2026 - الساعة 09:39 مساءً

 

مع استمرار حالات التصعيد السياسي وتبادل الاتهامات بين طرفي الصراع، تقف اليمن على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية المحتملة، والتي نتوقع أن تكون الأسوأ في تاريخ الحروب في وطننا الحبيب، ولا شك أنها ستضاعف من حجم المعاناة الإنسانية والمعيشية والأمنية بالنسبة إلى الغالبية العظمى من اليمنيين في الداخل والخارج أيضًا.

وفي الأيام الأخيرة، برزت العديد من المؤشرات السلبية التي تؤكد استعداد الطرفين لخوض معركة عسكرية جديدة ضد بعضهما، في إطار الصراع المسلح الذي ترعاه أطراف دولية وإقليمية داخل الساحة اليمنية، ويتضح ذلك من خلال التحشيد العسكري والشعبي، والتحريض والتصعيد الإعلامي، وتبادل الاتهامات والتصريحات النارية بين الطرفين.

ومن خلال هذه المادة، التي تأتي ضمن سلسلة حلقات «هذا ما فعلته بنا الحرب»، سنسلط الضوء على نقطتين محوريتين في أجندة الصراع في اليمن، هما:

 

النقطة الأولى: إدارة ملف الصراع في اليمن

 

حيث أسهمت طريقة إدارة الأمم المتحدة، ومعها عدد من القوى الدولية، لملف الأزمة اليمنية، في تحويلها إلى مشروع صراع طويل المدى، من خلال تحديد محاور رئيسية وأجندات سياسية تخدم مصالح القوى الدولية الكبرى.

وتسببت هذه الإدارة لملف الصراع في سلب الأطراف اليمنية جزءًا كبيرًا من قدرتها على اتخاذ القرارات والإرادات المستقلة، سواء في تحديد مسار العملية السياسية أو في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة والصراع بينهما، وذلك عبر مجموعة من الخطوات والإجراءات التي نفذها مبعوثو الأمم المتحدة وسفراء الدول الكبرى لدى اليمن، ومن أهمها:

 

تفكيك الأزمة اليمنية وتحويلها إلى مجموعة من الأزمات والقضايا المختلفة، بما أسهم في توسيع الفجوة بين الطرفين.

 

تحويل طرفي الصراع في اليمن إلى وكلاء لمشاريع القوى الإقليمية التي تتصارع داخل منطقة الشرق الأوسط لفرض هيمنتها على المنطقة.

 

تحديد مسار تحركات الأطراف اليمنية المتصارعة وفق أجندة الصراع الإقليمي، واستدعاء كل طرف لنفوذ ووسائل وإمكانات المشروع الإقليمي الذي يمثله، وهو ما تسبب في إضعاف المشروع الوطني المدني في البلاد، وإضعاف الانتماء والهوية الوطنية لدى الطرفين.

 

غياب الكثير من القضايا الأساسية التي تمس احتياجات اليمنيين وحياتهم ومستقبلهم عن أولويات الصراع بين الطرفين، كقضايا الديمقراطية، والدولة المدنية، والشراكة الوطنية، واحتياجات المواطن اليمني في مجالات التنمية والخدمات، ومصادر الدخل، وفرص العمل، وتحسين الأوضاع المعيشية والأمنية، وغيرها.

 

توسيع فجوة الخلاف بين الأطراف اليمنية عبر وسطاء دوليين وإقليميين، يعملون على إطالة أمد الحرب بما يخدم المصالح الدولية والإقليمية.

 

إضعاف دور المؤسسات المدنية ووسائل العمل الحديثة، كالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، التي يمكن من خلالها الحفاظ على المشروع الوطني المدني والتخفيف من حجم معاناة المواطنين.

 

دعم نفوذ القوى التقليدية العسكرية والقبلية والدينية، باعتبارها أدوات مهمة وضامنة لاستمرار الصراع وإطالة أمد الحرب على الساحة الوطنية.

 

توظيف المنح والموارد المالية والثروات الوطنية في مشروع الحرب والصراع السياسي.

 

تعطيل دور المؤسسات الحكومية والرسمية لصالح مراكز قوى جديدة تخدم مشروع الصراع في اليمن والمنطقة.

 

النقطة الثانية: مستقبل اليمن

 

في ظل هذه الأجندة التي تتحكم بمسار الأزمة اليمنية والصراع السياسي والعسكري بين الطرفين، يحضر سؤال مهم جدًا لدى المواطن العادي والمهتمين والمتابعين للشأن اليمني:

 

ماذا عن مستقبل اليمن واليمنيين؟

 

والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الحالي قد لا تكون دقيقة أو صحيحة بالشكل الكافي، لأن محاور وأجندات الصراع على الساحة الوطنية مرتبطة بشكل كبير بمحاور وأجندات الصراع الإقليمي والدولي، وهذه المحاور والأجندات بدورها مرتبطة بمتغيرات السياسة الدولية والتحالفات والمصالح المشتركة للقوى الكبرى في هذا العالم.

 

لكن، وبرغم ذلك، يمكن القول إن مستقبل اليمن، وفق مؤشرات الصراع ومعطيات المرحلة الراهنة، لن يكون أفضل، وربما قد يزداد سوءًا إذا ما نظرنا إلى آثار ونتائج الحرب خلال السنوات العشر الماضية.

 

فقد أحدثت تلك الحرب الكثير من الأضرار النفسية في تكوين شخصية الإنسان اليمني، إضافة إلى الأضرار النفسية والمعنوية والمادية التي لحقت بعدد من الأجيال التي عاشت وولدت خلال سنوات الحرب، وتعايشت مع ظروف وواقع أفرزته الحرب، وتم توظيف وسائل وإمكاناته في سبيل إطالة أمدها.

 

كما نشير هنا إلى قضية جوهرية تتعلق بمستقبل الدول والشعوب، وهي قضية التنمية الاقتصادية والخدمية، والتنمية البشرية والمستدامة، والتطور الاقتصادي، والأمن الاجتماعي.

 

وتوفر هذه العوامل واستمرارها في أي مجتمع من المجتمعات يعدان من المؤشرات الإيجابية على إمكانية تحقيق مستقبل أفضل وبنائه.

 

لكن غيابها عن واقعنا، وعدم توفرها في وطننا الحبيب، يمثلان أيضًا مؤشرًا حقيقيًا على أن مستقبل اليمن أصبح مجهولًا وأكثر غموضًا في ظل هذه الظروف، ومع استمرار الحرب والصراع السياسي.

 

وفي ظل كل ذلك، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يتجه اليمن؟ وهل ما يزال بالإمكان إنقاذ ما تبقى من مشروع الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الإنسان اليمني، واستعادة الأمل بمستقبل أفضل؟

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس