الدكتور يحيى الشعيبي كما عرفته أستاذًا وزميلًا ورجل دولة

الخميس 20 أغسطس 2026 - الساعة 09:18 مساءً

 

هناك شخصيات تترك أثرًا في حياة الإنسان لا بسبب المناصب التي تقلدتها فقط، وإنما بسبب القيم التي حملتها، والأسلوب الذي تعاملت به مع الآخرين، والاحترام الذي زرعته في نفوس من عرفها. ومن هذه الشخصيات الأستاذ الدكتور يحيى الشعيبي، الذي عرفته منذ أن كان أستاذًا في كلية العلوم بجامعة صنعاء، قبل أن يتولى مسؤولياته الوطنية، وعرفته أستاذًا وزميلًا وشخصية أكاديمية جمعت بين العلم والمسؤولية واحترام الآخر.

 

هذه ليست شهادة مرتبطة بموقع أو منصب، وإنما شهادة إنسانية وأكاديمية من شخص عاصر جانبًا من مسيرة الدكتور يحيى الشعيبي، منذ سنوات الجامعة الأولى، مرورًا بالعمل الأكاديمي والنقابي، وصولًا إلى تحمله مسؤوليات عامة في الدولة.

 

في ثمانينيات القرن الماضي، وفي شمال الوطن خلال عهد الجمهورية العربية اليمنية، كنت طالبًا في جامعة صنعاء، وكان لي حضور في العمل الطلابي والسياسي، حيث توليت رئاسة الجمعية الطبية التي كانت تضم طلاب أقسام المختبرات الطبية والكيمياء الحيوية.

 

كانت الجامعة في تلك المرحلة مساحة حيوية للنشاط الطلابي والثقافي، حيث كانت الجمعيات الطلابية والحركة الكشفية (الجوالة) وفرق المسرح والموسيقى والأنشطة الرياضية والثقافية تمثل جزءًا مهمًا من الحياة الجامعية، وتمنح الطلاب فرصة للتعبير والمشاركة وتنمية المواهب.

 

ومع تغير الظروف السياسية والاجتماعية، ودخول تيارات فكرية وسياسية جديدة إلى الساحة الجامعية، شهدت الجامعة حالة من التجاذب حول طبيعة النشاط الطلابي ومستقبله، خصوصًا في مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية، حيث كانت معظم التنظيمات السياسية تعمل بصورة غير معلنة.

 

وفي تلك الفترة، كان الدكتور يحيى الشعيبي شاهدًا على جانب من هذه الأحداث، وكذلك الأستاذ الدكتور أبو بكر القربي، حيث كانا من الشخصيات الأكاديمية التي احترمت حق الطلاب في النشاط والعمل الجامعي، وحرصا على أن تبقى الجامعة فضاءً للعلم والحوار والتنوع بعيدًا عن الإقصاء أو الوصاية.

 

بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، وبعد عودتي إلى اليمن عقب حصولي على درجة الدكتوراه من فرنسا، بدأت مرحلة جديدة من مسيرتي الأكاديمية في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة صنعاء.

 

في تلك المرحلة، التي اتسمت بالتعددية السياسية والانفتاح، شاركت مع مجموعة من الزملاء الأكاديميين في حوارات نقابية هدفت إلى إنجاح انتخابات نقابة أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء.

 

كان الدكتور يحيى الشعيبي يمثل المؤتمر الشعبي العام، بينما كنت أنا والدكتور أبو بكر المفلحي نمثل التنظيم الناصري، وكان الدكتور منصور الزنداني يمثل التجمع اليمني للإصلاح، كما شارك في هذه الحوارات الأستاذ الدكتور عبدالكريم راصع، والأستاذ الدكتور عبدالله الحريبي رحمه الله، والدكتور العمراني رحمه الله ممثلًا عن الحزب الاشتراكي اليمني، إلى جانب عدد من الزملاء الأكاديميين.

 

كانت تلك التجربة من التجارب المضيئة في تاريخ العمل الأكاديمي والنقابي في جامعة صنعاء، حيث اجتمع أكاديميون من اتجاهات مختلفة حول هدف مشترك هو خدمة الجامعة والحفاظ على مكانة الأستاذ الجامعي.

 

ورغم اختلاف الانتماءات والرؤى السياسية، كانت الحوارات تقوم على الاحترام المتبادل، والبحث عن نقاط التوافق، والحرص على إبعاد الخلافات السياسية عن البيئة الأكاديمية، حتى لا تؤثر على رسالة الجامعة أو تقلل من مكانة أعضاء هيئة التدريس.

 

لقد أثبتت تلك التجربة أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن المؤسسات العلمية يمكن أن تكون مساحة للحوار والتعايش عندما تكون المصلحة العامة هي الهدف.

 

وخلال هذه المراحل المختلفة، كان الدكتور يحيى الشعيبي نموذجًا للشخصية الأكاديمية الرصينة؛ شخصية تحترم الاختلاف، وتؤمن بالحوار، وتتعامل مع الآخرين بمهنية وهدوء.

 

كان مهذبًا في نقاشه، راقيًا في كلماته، محترمًا لزملائه الأكاديميين، وحريصًا على مكانة المؤسسة التعليمية. لقد جمع بين صفات الأستاذ الجامعي ورجل الدولة، وحافظ على علاقاته الإنسانية رغم اختلاف التوجهات والمواقف.

 

لاحقًا، تحمل الدكتور يحيى الشعيبي مسؤوليات وطنية متعددة، من بينها مسؤولية وزارة التعليم العالي، والتقيت به في أكثر من مناسبة، وكان من القضايا التي دعمها مشروع تحويل كلية الطب والعلوم الصحية إلى جامعة طبية متخصصة، وهو مشروع كان الأستاذ الدكتور ملهم الحبوري مرشحًا لقيادته عن استحقاق وكفاءة، لما يمتلكه من خبرة وقدرات أكاديمية وإدارية.

 

ولأن الشخصيات العامة تكون دائمًا عرضة للتجاذبات والانتقادات، فإن من واجبي التأكيد أن تقييم الرجال يجب أن يكون من خلال تاريخهم وسلوكهم ومواقفهم، وليس فقط من خلال مواقعهم.

 

لقد عرفت الدكتور يحيى الشعيبي قبل أن يكون في موقع المسؤولية، وعرفته أستاذًا وزميلًا أكاديميًا، وشهدت عن قرب التزامه المهني واحترامه للآخرين وحرصه على العمل العام بروح المسؤولية. ولذلك فإن محاولات التشكيك في قدراته أو نزاهته أو انتمائه الوطني لا تنسجم مع ما عرفته عنه خلال عقود من المعرفة.

 

إن قبوله تحمل مسؤولياته الوطنية الحالية، ومنها مسؤولية مدير مكتب رئاسة الجمهورية، لا يمكن فهمه باعتباره بحثًا عن مكسب شخصي أو مغنم، فهو شخصية أكاديمية وإدارية لها تاريخها ومكانتها، وإنما جاء ذلك من منطلق الإيمان بدور الدولة وضرورة الإسهام في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ اليمن.

 

وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الوطن، وما تعرضت له الدولة اليمنية من اختطاف لمؤسساتها بعد سيطرة جماعة الانقلاب الأمامي الكهنوتي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة فيها، وما نتج عن ذلك من معاناة واسعة للشعب اليمني، تمثل بالقتل والتدمير والاستيلاء على الحقوق والاختطاف والاغتصاب والتشريد، فإن خدمة الوطن واستعادة مؤسساته الشرعية مسؤولية تاريخية يتحملها كل من يؤمن بالدولة والقانون  العدالة والمساواة والنظام الجمهوري.

 

كما أؤكد في ختام هذه الشهادة موقفي الداعم للشرعية اليمنية وقيادتها ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي برئاسة الأستاذ الدكتور رشاد العليمي، الذي يمثل نموذجًا مشرفًا للأكاديمي ورجل الدولة، فقد انتقل من ميادين العلم والمعرفة إلى تحمل مسؤولية وطنية وتاريخية كبيرة في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها اليمن.

 

وإنه لفخر لكل أكاديمي يمني أن يتولى قيادة البلاد شخصيات تحمل أعلى الدرجات العلمية، وتجمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة السياسية، وتسعى إلى استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، والحفاظ على سيادتها، والعمل من أجل مستقبل أفضل لأبناء الوطن.

 

▪︎ أكاديمي يمني

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس