صُنّاع الرواية وحراس الوعي: في أولوية المعركة الفكرية للجمهورية
السبت 22 أغسطس 2026 - الساعة 01:40 صباحاً
لم يكن اللقاء الموسع الذي عقده رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بمسؤولي وقيادات الصحافة والإعلام اليمني، مجرد حدث عابر تدونه أوراق البروتوكول المعتادة، بل كان في جوهره "بياناً عسكرياً بلسان مدني رفيع"، ومكاشفة فكرية عميقة تضع النقاط على حواف الحروف في معركة هي الأخطر والأشرس في تاريخ اليمن المعاصر. إنها معركة الوعي وصناعة الحقيقة، تلك التي أدرك الرئيس بحسه السياسي وخلفيته الأكاديمية أن مدافع الجبهات فيها لا تصنع نصراً مستداماً ما لم تحرس العقولَ أقلام واعية، تذود عن حياض الهوية الوطنية وتغسل عنها درن التضليل والتجريف . فالرصاصة قد تطوي صفحة معركة عابرة، لكن الكلمة الموثقة هي التي تصوغ التاريخ، وتكتب رواية النصر للأجيال القادمة، وتحدد ملامح المستقبل من بين ركام الحروب والمؤامرات.
وفي هذا الفضاء المفتوح على كل الاحتمالات، رسم الخطاب الرئاسي معالم جغرافيا استراتيجية ثلاثية الأبعاد، تفيض بالرسائل والدلالات؛ إذ التفت أولاً نحو الداخل بـ "لاءات حاسمة" لا تقبل التردد، معلناً مأتم إعلام الردود الارتدادية الباهتة، ومنبهاً بصرامة إلى خطورة الفراغ المعلوماتي الذي تصنعه برود المؤسسات وتراخيها في تقديم المعلومة . إن كل دقيقة يتأخر فيها الخطاب الرسمي عن تقديم رواية الحدث بالرقم والصورة والوثيقة، هي مساحة شاسعة تُهدي لمليشيات الحوثي لتزرع فيها أشواك الزيف والتضليل . ومن هنا، كانت الدعوة بليغة لتحويل "التعددية الإعلامية" في الصف الجمهوري من بؤر للفرقة والشتات، إلى روافد قوة ومنابر متنوعة تعزف لحناً وطنياً واحداً، غايته استعادة الدولة وحفظ كرامة الإنسان .
ولم تقف حدود الكلمة عند أسوار الوطن، بل امتدت لتخاطب الجوار والإقليم بلغة المصير المشترك والخندق الواحد، مؤكدة أن المعركة اليمنية هي قلب الأمن القومي العربي النابض .
ومن هذا المنطلق، جاءت الرسالة واضحة للأشقاء في التحالف العربي، ولا سيما في المملكة العربية السعودية، بأن الدعم السخي والشراكة الاستراتيجية في الميادين العسكرية والاقتصادية يجب أن يتوجا بامتداد إعلامي شجاع وتنسيق عميق في حقل الفكر والصحافة، فالمهددات التي تحاك للمنطقة لا تستهدف الجغرافيا السياسية وحدها، بل تبتغي اقتلاع الجذور التاريخية وتزييف الوعي الجمعي العربي برمته. وبذات القوة، انطلق الخطاب نحو العالم والمجتمع الدولي بلغة الحقائق الدامغة لا العواطف المستجدية، ليقول بملء الفم إن الشرعية اليمنية لا تدافع عن امتيازات سلطة، بل تحمي خيار السلام والاستقرار، كاشفاً بالأدلة الطرف الذي أشعل فتيل الحرب وأفشل كل مبادرات التهدئة، وداعياً العالم إلى أن ينظر لليمن بعيون التوثيق لا بعيون المظلومية الزائفة التي تقلب الجلاد ضحية والضحية جلاداً .
إن هذا الإبحار في فكر الرئيس العليمي يضعنا أمام استحقاق وطني لا يقبل التأجيل، إذ إن تحويل هذه التوجيهات إلى واقع ملموس يتطلب مغادرة عقلية "إدارة الأزمات" نحو "ابتكار المبادرات" . ويبدأ هذا الدعم من التمكين المؤسسي والمادي لوسائل الإعلام لئلا يظل الصحفي مكبلاً بضعف الإمكانات في معركة عابرة للحدود، مروراً بالاستثمار الحقيقي في "الإنسان الإعلامي" تدريباً وتأهيلاً على أدوات العصر الرقمي وحرب العقول، وصولاً إلى تفعيل المكاتب الإعلامية الحكومية لتكون ينابيع فورية للمعلومة تقطع دابر الشائعة في مهدها . كما يقتضي الأمر خلق منصات مشتركة مع الأشقاء لتوحيد المصطلحات السياسية، وبث الرواية اليمنية بمختلف اللغات الحية لتخترق معاقل القرار العالمي وتصنع رأياً عاماً دولياً مناصراً للحق اليمني .
وتأسيساً على كل ما مضى، فإن اللقاء الرئاسي لم يكن مجرد توجيهات تقيد ضد مجهول، بل كان قرعاً عنيفاً لجرس الإنذار، وإعادة صياغة جذرية لبوصلة الإعلام ليكون هجومياً بالحق، مسلحاً باليقين والمبادرة . إنها الدعوة الأخيرة لفرسان الكلمة وأصحاب الأقلام؛ ليدركوا أنهم ليسوا مجرد ناقلين لأخبار الأمس، بل هم حراس الوعي، وصناع الأمل، والجنود الأوفياء الذين يكتبون بمداد قلوبهم وأقلامهم فصول النصر القادم، ويرسمون على جدار الزمن ملامح اليمن الجديد، حراً، عزيزاً، ومهاباً.














