تعز التي لا تنحني..
الجمعه 04 سبتمبر 2026 - الساعة 08:29 مساءً
تعز.. مدينةٌ عرفت طريقها إلى الجمهورية قبل أن تُعلن الجمهورية، وظلت على امتداد قرون تواجه مشاريع الإمامة وترفض أن تكون حديقةً خلفيةً لحكم السلالة. فمنذ قرابة 800 عام وتعز تقاوم محاولات إخضاعها، ولم يكتب التاريخ أنها استسلمت طويلاً للإمامة أو رضخت لمشروعها. وتعز ليست طارئة على معركة الجمهورية؛ بل هي من جذورها واحدة من أهم جبهات مقاومة الإمامة والدفاع عن اليمن الجمهوري. واليوم، كما بالأمس، تعرف تعز أن معركتها ليست مع جغرافيا أو جماعة عابرة، بل مع مشروع يريد إعادة اليمن إلى ما قبل سبتمبر.
ومنذ قرون طويلة، ظلت هذه المحافظة واحدة من أبرز المناطق التي قاومت محاولات إخضاعها للمشروع الإمامي، واحتفظ أبناؤها بذاكرة سياسية واجتماعية رافضة لفكرة احتكار الحكم وربطه بالسلالة. وعندما يقال إن تعز تواجه الإمامة منذ قرابة 800 عام، فالمقصود ليس أن معركة عسكرية واحدة استمرت ثمانية قرون دون انقطاع، وإنما أن ذاكرة الرفض والمقاومة في تعز تجاه الحكم الإمامي تمتد عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وأن المدينة ومناطقها وقراها شهدت انتفاضات ومواقف وحركات وطنية ضد ذلك المشروع. ولذلك لم تكن تعز مجرد ساحة عسكرية في مواجهة الإمامة؛ كانت أيضاً ساحةً للفكرة. فكلما حاول الحكم الإمامي فرض سلطته على المجتمع، ظهرت في تعز ومناطقها أصوات ترفض الظلم والاستعلاء، وتطالب بالعدل والمشاركة والحياة الكريمة.
ومن الأمثلة التي تستحق التذكير بها مقاومة أبناء المقاطرة للوجود الإمامي، وهي صفحة تؤكد أن رفض الحكم الإمامي لم يكن محصوراً في المدن أو النخب السياسية. فقد شهدت المنطقة مقاومة للوجود الإمامي، وارتبطت تلك المقاومة بالرفض الشعبي للظلم الذي مارسته السلطة الإمامية. وهذا مهم لفهم طبيعة تعز؛ فالمواجهة لم تكن دائماً قراراً يصدر من قيادة سياسية، بل كانت في كثير من الأحيان موقفاً اجتماعياً متجذراً لدى الناس في القرى والجبال والمناطق الريفية.
وفي القرن العشرين، أصبحت تعز واحدة من أهم مراكز الحركة الوطنية المناهضة للإمامة. وحين اتخذ الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين من تعز مركزاً لحكمه، لم تتحول المدينة إلى بيئة صامتة؛ بل أصبحت، على العكس، واحدة من أهم ساحات المعارضة والحراك السياسي ضد نظامه. وفي عام 1955 وقعت في تعز محاولة انقلابية قادها المقدم أحمد الثلايا ضد الإمام أحمد. ورغم فشل المحاولة وإعدام الثلايا ورفاقه، فإن الحادثة بقيت واحدة من أبرز صفحات النضال الوطني في تعز ضد الحكم الإمامي. وهنا تكمن دلالة تاريخية مهمة: حتى عندما جعل الإمام أحمد من تعز مركزاً لحكمه، لم يستطع أن يجعل تعز مركزاً لقبول حكمه. كانت المدينة تحت سلطة الإمام، لكن روح المدينة كانت تتحرك في الاتجاه المعاكس.
ولم تكن حركة 1955 نهاية الحكاية، فبعدها استمر النشاط الوطني داخل اليمن وخارجه، وواصل الأحرار اليمنيون العمل ضد النظام الإمامي، حتى جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 وأسقطت الحكم الملكي الإمامي وأعلنت الجمهورية. وكان أبناء تعز جزءاً أساسياً من ذلك الحراك الوطني الذي مهّد للثورة. ولهذا فإن الحديث عن علاقة تعز بالجمهورية لا يبدأ في سبتمبر؛ بل إن سبتمبر نفسها كانت ثمرة سنوات طويلة من النضال الوطني، وكانت تعز واحدة من أهم البيئات التي احتضنت ذلك النضال.
وبعد عقود من قيام الجمهورية، عاد المشروع الإمامي في صورة الحوثيين. تغيرت الشعارات، وتغيرت الأدوات، لكن جوهر الصراع ظل حاضراً في نظر خصوم الحوثيين: من يملك اليمن؟ وهل هو وطن لجميع أبنائه، أم سلطة تحتكرها جماعة وتمنح نفسها حقاً استثنائياً في الحكم؟ وعندما وصل الحوثيون إلى تعز عام 2015، لم تكن ردة فعل المدينة مفاجئة. خرج الناس أولاً في احتجاجات رافضة لوجود الجماعة، قبل أن يتحول القمع والمواجهة إلى مقاومة مسلحة. وهكذا أعادت تعز إنتاج موقفها التاريخي ولكن بأدوات عصرها. بالأمس واجهت الإمامة، واليوم تواجه الحوثيين.
فرض الحوثيون حصارهم على مدينة تعز، وسيطروا على طرق ومداخل رئيسية، فيما تعرضت المدينة للقصف والمعارك. لكن الحصار لم يكسر المدينة، بل تحولت تعز إلى واحدة من أبرز ساحات المقاومة ضد الحوثيين. وفي أغسطس 2015 تمكنت المقاومة من استعادة عدد كبير من المواقع والمؤسسات داخل المدينة، وأعلنت السيطرة على مناطق واسعة منها، في واحدة من أبرز عمليات المقاومة ضد الحوثيين في ذلك العام. ولم تكن المعركة سهلة؛ كانت المدينة تقاتل وهي محاصرة، ويواجه سكانها نقصاً في الغذاء والدواء والإمدادات، بينما استمرت المواجهات والقصف. ومع ذلك ظل القتال مستمراً، وتحولت تعز إلى عنوان طويل الأمد لمقاومة الحوثيين.
لماذا تعز بالذات؟ لأن تعز تحمل ذاكرة مختلفة. ذاكرة تقول إن السلطة ليست حقاً حصرياً لفئة، وأن اليمني لا يحتاج إلى نسب معين حتى يصبح مواطناً كاملاً، وأن الدولة ليست ملكاً لجماعة. ولهذا فإن معركة تعز مع الحوثيين لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد معركة على جبل أو شارع أو موقع عسكري. إنها، بالنسبة لكثير من أبناء المحافظة، امتداد لمعركة أقدم حول شكل الدولة وهوية اليمن ومستقبل الجمهورية. تعز لا ترى في الحوثيين مجرد قوة عسكرية جاءت إلى المحافظة، بل ترى في مشروعهم عودة لفكرة الإمامة التي قاتلها اليمنيون حتى أسقطوها في 26 سبتمبر، ومن هنا يمكن فهم حجم الإصرار على المقاومة.
قد تُحاصر مدينة، وقد تُقصف أحياؤها، وقد تُقطع طرقها، وقد تمتد الحرب فيها سنوات طويلة، لكن من الصعب أن تُحاصر فكرة ترسخت في وجدان الناس. وهذا ما حدث في تعز. فالناس في تعز مختلفون ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، لكن هذا الاختلاف نفسه جزء من قوة المدينة وتنوعها. لديهم ترابط اجتماعي وثقافي متجذر، وتاريخ طويل من التعليم والتجارة والهجرة والانفتاح والتواصل مع مختلف مناطق اليمن. ولهذا فإن من يريد أن يغيّر ثقافة تعز بالقوة لا يواجه مجموعة من المقاتلين فقط، بل يواجه مجتمعاً كاملاً له ذاكرته وثقافته وعلاقاته المتشابكة.
وتعز ليست مدينة محصورة داخل حدود جغرافية ضيقة؛ فهي ذات ارتباط وثيق بالريف والساحل، وبالبر والبحر، وتشكل مناطقها المختلفة نسيجاً اجتماعياً وثقافياً متداخلاً. وهذا ما يجعل محاولات تغيير هويتها أو فرض ثقافة جديدة عليها بالقوة أمراً بالغ الصعوبة، بل من سابع المستحيلات أن يتمكن الحوثي من اقتلاع ثقافة تشكلت عبر أجيال طويلة. يمكن أن يسيطر على طريق أو موقع أو منطقة لفترة، لكنه لن يستطيع بسهولة أن يغيّر مجتمعاً متجذراً في تاريخه وثقافته.
وتعز اليوم غير الأمس؛ فهذه المدينة التي راكمت عبر تاريخها الطويل ذاكرة المقاومة، تقف اليوم وهي أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وأكثر تماسكاً في مواجهة المشروع الحوثي. ففي ميدانها قيادات تقف كالجبال، في مقدمتهم قائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء عبدالعزيز المجيدي، ورئيس العمليات العميد الركن محمد النجار، ومعهم رجال وقادة ارتبطت أسماؤهم بتاريخ المقاومة في تعز، وفي مقدمتهم اللواء الركن يوسف الشراجي، أحد أبناء تعز وقادتها العسكريين الذين كان لهم حضور بارز في معاركها.
وفي غرب تعز، وعلى امتداد جبهة البرح، يقف اللواء الركن حسن لبوزة، قائد محور البرح، وهو من أسرة نضالية ارتبط اسمها بتاريخ الثورة اليمنية، باعتباره من أحفاد المناضل راجح بن غالب لبوزة، أحد رموز ثورة 14 أكتوبر. واليوم يحمل حسن لبوزة راية المواجهة في ذات الجغرافيا، مقاتلاً في جبهة البرح ضد المشروع الحوثي، في صورة تختصر انتقال روح النضال من جيل إلى جيل.
وعلى امتداد الساحل الغربي، يقف الفريق أول ركن طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية، ومعه قادة ميدانيون أمثال العميد فهمان لغبس، والعميد الركن عدي العماد، والعميد مجاهد الحزورة، وغيرهم من القادة والضباط والمقاتلين. هناك، في المخا وموزع والوازعية وامتدادات البرح والكدحة، تتصل الجبهات ببعضها، ويصبح الساحل امتداداً لجغرافيا تعز، كما تصبح الجبال والريف والمدينة والساحل أجزاء من معركة واحدة في مواجهة الحوثيين.
إنها اليوم منظومة مقاومة أكثر تماسكاً، تمتد من أعالي جبال تعز إلى سهولها وساحلها، ومن البر إلى البحر، وتجمع بين قوات الجيش في محور تعز والقوات المرابطة في الساحل الغربي. جبال تعز تعلو جبالها، وجبهاتها تتصل ببعضها، والميدان لم يعد كما كان في بدايات الحرب؛ فهناك قيادات تعرف الأرض، ومقاتلون يعرفون عدوهم، وتراكم عسكري طويل صنعته سنوات المواجهة.
تعز التي كانت بالأمس تواجه الإمامة بإمكانات محدودة، تقف اليوم أمام الحوثي وهي تمتلك رجالاً في الميدان، وقيادات عسكرية تعرف طبيعة المعركة، وجبهات تمتد من الجبل إلى الساحل. وهذا الترابط بين تعز المدينة وريفها وساحلها يجعل من الصعب عزل معركة عن أخرى أو كسر جبهة دون أن تمتد آثارها إلى بقية الجبهات.
فالمعركة لم تعد معركة شارع داخل مدينة، ولا جبل منفرد، وإنما معركة واسعة تمتد على جغرافيا تعزية متشابكة، من أعالي الجبال إلى الساحل، ومن البر إلى البحر. ولذلك فإن الحوثي لا يواجه تعز منفردة في كل جبهة، بل يواجه تعز وهي تتشكل كجبهة واحدة في الوعي والهدف، مهما اختلفت مواقع المقاتلين وتعددت تشكيلاتهم.
وهنا تكمن قوة تعز اليوم: اتحاد الأرض والإنسان والذاكرة والمقاتل. جبال تقاوم، وساحل يقاوم، وريف يقاوم، ومدينة تقاوم، وقيادات ميدانية تحمل مسؤولية المواجهة، وكل ذلك يصب في معركة واحدة عنوانها استعادة الدولة والدفاع عن الجمهورية.
ومن مقاومة الوجود الإمامي في مناطقها، إلى انتفاضات أبنائها ضد سياسات الأئمة، إلى حركة الأحرار ومحاولة الثلايا في 1955، وصولاً إلى ثورة 26 سبتمبر، ثم إلى مقاومة الحوثيين وحصار المدينة منذ 2015؛ تبدو هناك حلقة واضحة في الذاكرة التعزية: رفض الخضوع لمشروع الإمامة، أياً كان الاسم الذي يحمله وأياً كانت الشعارات التي يرفعها.
ولهذا فإن تعز ليست مجرد جبهة في الحرب اليمنية الحالية. إنها مدينة لها تاريخ طويل مع فكرة الإمامة. مدينة اختبرت ذلك المشروع في الماضي، وقاومته، ثم عادت لتواجه نسخته الحوثية في الحاضر. ثمانية قرون من التاريخ لا تعني أن المعارك لم تتوقف يوماً، لكنها تعني أن ذاكرة الرفض لم تمت. ففي كل مرحلة كان هناك من يرفض، ومن يقاوم، ومن يدفع الثمن. ومن المقاطرة إلى تعز المدينة، ومن الثلايا إلى رجال المقاومة في زمن الحوثيين، بقيت الفكرة ذاتها حاضرة: اليمن ليس ملكاً لسلالة، ولا حكراً على جماعة، ولا مزرعةً لعائلة.
ولهذا يمكن فهم سر تعز. فالإمامة حاولت إخضاعها، فلم تستطع أن تنتزع منها روحها، والحوثي حاول كسرها، فوجد مدينة تقاومه رغم الحصار والقصف. وإذا كان الحوثي يعتقد أن الزمن يمكن أن يعيد اليمن إلى ما قبل 26 سبتمبر، فإن تعز تقول له بوضوح:
التاريخ لا يعود إلى الخلف.













