دموعٌ على وسادة النزوح
الاثنين 14 سبتمبر 2026 - الساعة 12:06 صباحاً
صحى طارق فجرًا على سحائب التراب والغبار، وعلى أصوات نديب الأطفال، وأزيز الرصاص، ودوي المدافع، في تهجير قسري يشبه القيامة الصغرى. استيقظ ليجد نفسه بلا مدرسة، بلا بيت، وبلا أصدقاء صغار كانوا يملؤون حياته ضحكًا وأملًا، ليواجه وجوهًا جديدة، ونزوحًا شاقًا، وقهرًا متجددًا.
من ريمة، المحافظة التي وُلد فيها، إلى المخا التي نزح إليها طفلًا ونشأ فيها بحياة جديدة أخرى، حمل طارق ذاكرة طفل لم يكن يعرف من الدنيا سوى أحلامه الصغيرة. في المخا كبر، وتعلم، وصنع لنفسه عالمًا جديدًا، ومدرسته وأصدقاءه وذكرياته، حتى أصبحت المدينة جزءًا من طفولته وحياته، قبل أن تأتي الحرب من جديد لتنتزع منه ما تبقى من أمانه، وتضعه أمام نزوح آخر وواقع لا يشبه عالم الأطفال.
صورة واحدة اختصرت وجع أمة كاملة؛ طفل يضع كفيه الصغيرين على وجهه، يهرب بملامحه البريئة من واقع أكبر من سنه، محاولًا إغلاق عينيه عن شريط طويل من الخوف والنزوح والدمار. طارق يعيش الخضمي ليس مجرد طفل أرهقته الغربة وقسوة الظروف، بل هو عنوان صارخ لجيل كامل كُسر قبل أن يكتمل نضجه، وسُرقت طفولته جهارًا في وضح النهار.
كان طارق يحلم بأشياء عادية لا يطلبها الأطفال عادة لأنها حقوق بديهية؛ بيت يضم ضحكاته، ومدرسة ينتظر فيها جرس الفسحة، وملابس نظيفة يلعب بها دون أن تخاف أمه عليه، وسماء صافية لا تشوبها أصوات الموت. كان يريد أن يستيقظ كل صباح، يرتدي ملابسه، ويحمل حقيبته إلى المدرسة، ويلعب مع أقرانه دون أن يخاف من صوت الرصاص.
لكن الحرب كانت أسرع من أحلامه.
مليشيا الحوثي أقحمت أحلامه الصغيرة في أتون حرب لم يخترها، فهُجّر من المكان الذي نشأ فيه، وفقد مدرسته ورفاقه وبيئته التي ألفها، ليجد نفسه مرة أخرى في رحلة نزوح قاسية، يبحث فيها طفل صغير عن شيء يفترض ألا يبحث عنه أي طفل في العالم: الأمان.
تأملوا ملامحه المغمضة في الصورة؛ إنها ليست غفوة طفل مطمئن ينتظر لعبة جديدة، بل لحظة انكسار لطفل تعب من النظر إلى الخراب، وتعب من رؤية وجوه النزوح، وتعب من التساؤل: «لماذا أنا هنا؟ وأين مدرستي؟».
في عيني طارق المغلقتين تبكي طفولة اليمن كلها، وفي ثقل يده على خديه تتكثف خيبة أم ورجاء أب يريان طفلهما يذبل يومًا بعد يوم وسط الفقر والشتات.
هذه الحرب لم تسرق من الأطفال بيوتهم فقط؛ سرقت مدارسهم وأصدقاءهم وذكرياتهم، وسرقت سنوات كان يفترض أن يعيشوها باللعب والتعلم والضحك. كان من حق طارق أن يحمل حقيبته المدرسية، لا أن يحمل ذاكرة النزوح، وكان من حقه أن يخاف من امتحان المدرسة، لا من أصوات الرصاص، وكان من حقه أن يبكي على لعبة ضاعت منه، لا على بيت تركه خلفه.
طارق ليس مجرد طفل نازح؛ إنه صورة لطفولة يمنية كاملة دفعت ثمن حرب لم تخترها. طفل من ريمة، نزح إلى المخا صغيرًا، نشأ فيها وبنى حياة جديدة، ثم وجد نفسه أمام تهجير قسري جديد، وكأن طفولته محكومة بأن تبدأ من جديد كل مرة، بينما يكبر الخوف معه عامًا بعد آخر.
فهل يعود لطارق يوم يستيقظ فيه على صوت العصافير بدلًا من المدافع؟ وهل يعود إلى مدرسته ويلتقي أصدقاءه الذين فرّقتهم الحرب؟ وهل يستعيد الأطفال حقهم البسيط في أن يكونوا مجرد أطفال؟
أم أننا سنظل نرقب وجوههم المتعبة، ونبكي أحلامهم التي وُلدت في زمن الحرب ولم تجد طريقها إلى الحياة؟
طارق لا يريد المستحيل؛ يريد أن يعيش، أن يتعلم، أن يلعب، وأن ينام مطمئنًا. فهل كثير على طفل أن يحلم بالأمان؟















