الحجرية تقاوم الحوثي أكثر مما نعتقد.
الاحد 25 أكتوبر 2026 - الساعة 02:53 صباحاً
الحجرية تقاوم الحوثي أكثر مما نعتقد. تقاومه في امتناع أبنائها عن الانخراط في صفوفه، رغم محاولة المليشيات لأن تدفع بما تعوض ما خسرته من جنود في محارقة اليومية بتعز، ولا بحاجة لأن نسرد هذه الخسائر، فالمقابر اليوم على طول البلاد عنوان للجحيم الذي يعيشوه.
يقاوم رجال الأصابح بإصرارهم على ألا يكونوا في صدارة حشود المليشيا، ويقاوم معلمو ذبحان والأكاحله رفضا لأن تتحول كراسي الطلاب ودراجاتهم إلى أدوات لحشد الناس وتعبئتهم، وتقاوم مدارس العزاعز كي لا تتحول فصولها إلى منصات لتزييف الوعي وتجنيد الأطفال في مشروع المليشيا.
وتقاوم المعافر بمواقف أبنائها ورفضهم منح الحوثي صورة اجتماعية لا تعكس حقيقة موقف الناس، ويقاوم موظفو قدس وبني حماد برفضهم الانخراط في مشروعه أو تسخير مواقعهم لخدمته، فيما تقاوم الجبزية بعساكرها الذين يعرفون معنى الجمهورية وقد قادوا حروباً في كل جبهات القتال الذين تركوا منازلهم واسرهم، وعادوا لترتيب انفسهم في صفوف المقاومة داخل المدينة، وتقاوم قدس بثوارها الذين لم يتخلوا عن المعنى الذي خرجوا من أجله، ، كما تقاوم الكلائبة بأبنائها في مختلف الجبهات لحماية البلاد.
قد ينكسر سلاح الحجرية بفعل خذلان ما، وقد تنحسر جبهة تحت وطأة اختلال الموازين لعدم تقديرات الاغبياء، لكن الثابت أن إرادة عبدالرقيب الثورية وروح عدنان الجمهورية لم تنكسرا.
فالسلاح قد تخذله الظروف، والميدان قد تعتريه الانتكاسات، أما الفكرة التي تسكن ناس الحجرية فلا تنكسر بانكسار جبهة، ولا تُهزم بفعل اللحظة.
راقبوا حياة الناس وقلقهم من أن تطول هذه اللحظة، وسنجد أن المقاومة اليومية تتجاوز السلاح وخرائط السيطرة، لتظهر في المدارس والمرافق والقرى والمواقف اليومية.
مقاومة بجذور المقاطرة والنعمان والدملؤة تؤكد أن فكرة أختزال الحجرية في انتكاسة لنجعل مصيرها بمتناول إرادة المليشيات أمر بحاجة للتفكير قبل ما تصادر حق الناس في الرفض، وقبل ما نصادر التاريخ نفسه لصالح من يحاول تزيفه.
فبعد سيطرة المليشيات على الجغرافيا، قد تبدو هذه المقاومة غير واضحه من الخارج، وليس من مظاهرها السلاح، لكنها تتجلى في موقف الناس، وفي خياراتهم اليومية، وفي قدرتهم على ألا يمنحوا المليشيا ما تبحث عنه من قبول اجتماعي وولاء ومشروعية في ميدان اليوم .
قاتل اللواء الشهيد عدنان الحمادي طوال فترة بقائه في الحجرية كحارسا للبلاد والناس وحملا للمشروع، وكان المجتمع حاضرا في المعركة، حاضنا للبندقية، بلا مواربة ولا تخفِ، تعسكر الناس بالبندقية والقلم، وتوزعت أدوارهم بين من يحمل السلاح في الجبهات، ومن يحمل الوعي في المجتمع لحماية البندقية والمشروع، ومن يرى في الدفاع عن الجمهورية مسؤولية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية.
لم تكن تلك الحاضنة الاجتماعية رافعة لشخص بقدر ما كانت رافعة للمشروع الوطني، ومساندة للجمهورية بوصفها قضية جامعة، لا ترضخ للمشاريع المؤدلجة ولا لرغبات العابرين .
ولم يكن هذا الحضور المجتمعي إلا نتيجة وعي حقيقي بطبيعة الواقع الذي تشكلت فيه الحجرية تاريخاً، وبحاجة المجتمع إلى احتضان البندقية حين تكون جزءا من رافعة وطنية يهدف للدفاع عن الجمهورية، انطلاقا من إدراكه أن عدنان حين قرر مواجه المليشيات لم يكن سلطة عسكرية وحسب، إنما مشروعاً يبدأ بالبندقية مرورا بحماية الناس ووصولاً إلى حق الناس في المساواة والعدالة على أمتداد البلاد.
مع معرفة الناس وأدراكهم بأن هذا الاحتضان لم يكن تفويضا مفتوحا لكل من حمل السلاح أو انتسب إلى المقاومة، ولم يكن تنازلا عن حقوقه، ولا قبولا بأن تتحول البندقية من وسيلة لحماية المجتمع إلى عبء عليه..
غير أن من جاء بعده، راكمت كثير من الممارسات والسلوكيات المنفرة في الحجرية، وبالتحديد ما ارتبط بمشروع قبح الجبولي، الذي شكل حالة من الرفض في أوساط المجتمع؛ حين شعر الناس أن بعض من يفترض أنهم جاءوا لحمايتهم صاروا عبئا عليهم، وأن الافعال تجاوزات و أضرت بعلاقة البندقية ببيئتها، وانتقصت من تضحيات الناس وسلب حقوقهم كرامتهم، مما هد ودمر الثقة التي لا يمكن لأي مشروع وطني أن يستغني عنها..
ومن هنا تأتي أهمية قراءة تجربة الحجرية اليوم؛ ففكرة أستدعاء الماضي ليس من أجل الخصومة، ولا لتبرير أخطاء ارتكبها هذا الطرف أو ذاك، بل لفهم كيف يتشكل الحضور الشعبي، وما الذي يعزز الثقة بين المجتمع والمقاومة، وما الذي يهدمها. ففهم هذه التجربة لا بد من ضرورة لفهم الحاضر والتعامل معه، حتى لا تصبح هذه القلعة الجمهورية أسيرة بيد العدو يعبث في كل ما كان مصدر قوة للمقاومة وللمشروع الجمهورية، لمجرد أنها أصبحت تحت أيدي عصابات الامامة..














