المظلومية التي أحرقت البحار وعبرت الحدود

الاحد 25 أكتوبر 2026 - الساعة 11:08 مساءً

 

عاش الحوثي طويلاً يتسول شرعية "المظلومية" أمام القوى الخارجية والداخلية، متدثراً بعباءة الضعف والاقلية، بينما كان الظلم الحقيقي يُنسج في أقبية صعدة والجميع بعيدون عن رصد كارثتها الأولى؛ الكارثة التي راح ضحيتها أكثر من ستين ألف جندي من أبناء القوات المسلحة، وشهدت تهجير آلاف الأسر من ديارهم.

 

 ومن هناك بدأت رحلة تمدد مسلح لم تتوقف عند حدود المحافظة، بل امتدت إلى الجوف ودماج وعمران وصنعاء، وصولًا إلى تعز التي تكشف اليوم جانبًا من حقيقة هذا المشروع، قبل أن تتجاوز تداعياته حدود اليمن إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية.

 

بدأت المواجهات المسلحة بين الحوثيين والدولة اليمنية عام 2004، واستمرت الحروب في صعدة خلال السنوات التالية، مخلفة آلاف الضحايا وأضرارًا واسعة ونزوحًا للسكان. ثم اتسعت المواجهات إلى الجوف، واستُغلت اضطرابات المرحلة الانتقالية لتوسيع النفوذ المسلح، قبل أن تصل المعارك إلى دماج، وتنتهي عام 2014 بتهجير آلاف من سكانها، في واحدة من المحطات التي كشفت خطورة ترك المجتمعات المحلية تواجه السلاح دون حماية كافية.

 

لكن العالم الذي تعامل طويلًا مع الحوثيين باعتبارهم جماعة محلية ترفع شعارات المظلومية والحقوق، لم يدرك مبكرًا أن التمدد المسلح الذي بدأ من صعدة لن يبقى محصورًا في حدودها، وأن التغاضي عن توسعه قد يقود إلى تهديد يتجاوز اليمن، وصولًا إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية. فقد أثبتت التطورات أن تداعيات تحركات الجماعة العسكرية لم تعد محصورة داخل الجغرافيا اليمنية، بل أصبحت جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي والدولي، بما يفرض إعادة النظر في كلفة تجاهل تمدد الجماعات المسلحة وتركها تفرض واقعها بالقوة.

 

بعد ذلك، كانت عمران بوابة التمدد نحو العاصمة، فسقطت صنعاء في سبتمبر 2014، ووجد اليمنيون أنفسهم أمام واقع جديد فرضته جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة، لتدخل البلاد مرحلة من الحرب والانهيار السياسي والاقتصادي والإنساني. لم يكن سقوط العاصمة نهاية المشروع، بل بداية اتساع تداعياته، من المدن اليمنية إلى محيطها الإقليمي، وصولًا إلى الممرات البحرية التي يعتمد عليها جزء مهم من التجارة العالمية.

 

لقد أثبتت التجربة أن التغاضي عن تمدد الجماعات المسلحة لا يضمن بقاء الخطر محصورًا في منطقة واحدة. فما يبدأ صراعًا محليًا قد يتحول، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وغياب المساءلة، إلى تهديد أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية. وهذا ما يجعل قراءة ما يجري في تعز اليوم ضرورة لفهم المسار الذي سلكته الأزمة اليمنية، لا مجرد متابعة جولة أخرى من جولات الحرب.

 

في تعز، تتجلى المأساة بصورة لا يمكن للعالم تجاهلها. فالمدينة التي عُرفت بالتعليم والثقافة والحياة المدنية، واجهت حصارًا طويلًا وقيودًا على حركة السكان، إلى جانب مواجهات وقصف طال مناطق مأهولة. ولم تعد القضية مجرد خطوط تماس عسكرية، بل أصبحت مرتبطة بحق السكان في التنقل والعلاج والتعليم والحصول على الغذاء والمياه، وبحق الأسر في العيش بعيدًا عن الخوف والاستهداف.

 

تعز ليست تفصيلًا هامشيًا في الأزمة اليمنية، بل اختبار لمصداقية المواقف الدولية تجاه حماية المدنيين. فحين تُحاصر المدن، وتُستهدف المناطق السكنية، ويُحرم السكان من حقوقهم الأساسية، لا يعود مقبولًا التعامل مع معاناتهم باعتبارها نتيجة جانبية للحرب. ومع ما تتداوله تقارير وشهادات عن اقتحام منازل وترويع نساء وأطفال في مناطق من ريف المحافظة، تبرز ضرورة التحقق المستقل من الوقائع وتوثيقها، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات.

 

كيف يمكن لجماعة ترفع شعار المظلومية أن تبرر إخضاع المجتمعات بالقوة، أو حصار المدن، أو استهداف المناطق السكنية؟ وأي سلام يمكن أن يتحقق بينما تظل حياة المدنيين رهينة السلاح، وتبقى الطرق والحقوق الأساسية خاضعة لحسابات الحرب؟

 

إن تعز، بصمود سكانها وتمسكهم بحقوقهم، تضع العالم أمام حقيقة جوهرية: لا يمكن بناء سلام مستدام على فرض الأمر الواقع، ولا يمكن منح أي طرف حصانة من القانون بسبب الشعارات التي يرفعها. فاستهداف المدنيين، متى ثبت تعمده، وانتهاك قواعد حماية السكان والأعيان المدنية، يستوجبان التحقيق والمساءلة وفق القانون الدولي الإنساني.

 

ولا تتوقف المأساة عند القصف والحصار؛ ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، يعاني السكان من قيود على الحريات واعتقالات وجبايات وضغوط مرتبطة بالتجنيد، وسط ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية. وقد أدى انقطاع الرواتب الحكومية أو عدم انتظامها، بالتزامن مع انهيار مصادر الدخل وتراجع الخدمات، إلى تعميق معاناة آلاف الأسر.

 

حين يعجز الأب عن توفير الطعام لأطفاله، تصبح الأسرة أكثر عرضة للاستغلال، وقد تتحول الحاجة الاقتصادية إلى مدخل للضغط على الأبناء ودفعهم إلى جبهات القتال. وتزداد خطورة هذه الممارسات حين يتعلق الأمر بالأطفال الذين ينبغي أن يكون مكانهم في المدارس وبين أسرهم، لا في ساحات الحرب. كما يظل من حق المواطنين معرفة مصير الإيرادات والجبايات التي تُحصّل منهم، ومدى انعكاسها على الخدمات الأساسية وحياتهم اليومية.

 

وفي الوقت الذي يرزح فيه اليمنيون تحت أعباء الحرب والفقر والنزوح، تثير علاقة الحوثيين بإيران أسئلة جوهرية بشأن السيادة الوطنية، وطبيعة الدعم العسكري والتقني الذي تتلقاه الجماعة، ومدى تداخل قراراتها العسكرية مع الحسابات الإقليمية. وقد تناولت تقارير دولية وأممية مسألة إمداد الحوثيين بالأسلحة والتقنيات العسكرية، في ظل امتلاكهم قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة استُخدمت في عمليات داخل اليمن وخارجه.

 

إن اليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، والشعب اليمني ليس وقودًا لمشروعات تتجاوز مصالحه الوطنية. وأي دعم عسكري يسهم في استمرار الهجمات أو تقويض سيادة الدولة يجب أن يخضع للتعامل الجاد وفق الأدلة والقانون، بعيدًا عن الاكتفاء بالتصريحات السياسية أو إدارة الأزمة من دون معالجة أسبابها.

 

أما البحر الأحمر وخليج عدن، فقد أصبحا شاهدين على اتساع دائرة الخطر. فالهجمات الحوثية على السفن والملاحة التجارية أظهرت أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة داخل الجغرافيا اليمنية، بل امتدت إلى طرق التجارة الدولية وسلاسل الإمداد ومصالح دول متعددة. وبذلك، باتت الأزمة مرتبطة بأمن الممرات البحرية الحيوية، وبالتكاليف الاقتصادية والأمنية التي يتحملها المجتمع الدولي نتيجة اضطراب الملاحة.

 

هنا تتضح دلالة العنوان: من صعدة إلى البحر الأحمر، انتقل الخطر من حروب داخلية أضعفت الدولة والمجتمع إلى تداعيات إقليمية ودولية تمس أمن الملاحة والتجارة. لكن التعامل مع هذه التداعيات لا ينبغي أن يقتصر على اعتراض الصواريخ أو حماية السفن بعد وقوع الهجمات؛ بل يجب أن يمتد إلى جذور الأزمة، وفي مقدمتها استمرار الحرب، وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة، واستخدام السلاح لفرض السلطة، وإفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المساءلة.

 

إن حماية الملاحة الدولية لا تتعارض مع حماية اليمنيين، كما أن الدفاع عن المدنيين في تعز وغيرها لا ينفصل عن حماية أمن المنطقة. فالمساران متكاملان، ولا يمكن تحقيق استقرار مستدام في البحر الأحمر مع تجاهل ما يجري على اليابسة، أو التعامل مع معاناة السكان باعتبارها قضية ثانوية لا تستحق التحرك إلا عندما تتأثر المصالح الدولية.

 

من هنا، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تتجاوز بيانات القلق والإدانات المتكررة. فالمطلوب ضغط دبلوماسي فعّال لوقف الاعتداءات على المدنيين، وضمان وصول المساعدات وفتح الطرق، وإنهاء تجنيد الأطفال، ودعم توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب مساندة مؤسسات الدولة اليمنية وتمكين اليمنيين من استعادة قرارهم الوطني عبر عملية سياسية جادة لا تُفرض بقوة السلاح.

 

لقد أظهرت التجربة أن تأجيل معالجة جذور الأزمة لا ينهيها، وأن تجاهل الانتهاكات لا يحقق السلام، بل يسمح بتراكم أسباب الانفجار واتساع تداعياته. وما تتعرض له تعز اليوم ليس منفصلًا عن المسار الذي بدأ قبل سنوات، كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر لا يمكن فصله عن استمرار الحرب وتداعياتها الإقليمية.

 

إن العالم أمام اختبار حقيقي في تعز: هل يكتفي بمراقبة معاناة المدنيين وإدارة المخاطر عندما تصل إلى الممرات البحرية، أم يتحرك لمعالجة الأسباب التي جعلت اليمن ساحة حرب مفتوحة وتهديدًا للاستقرار الإقليمي؟

 

تعز تقول للعالم إن المظلومية لا تمنح أحدًا حصانة من القانون، وإن استهداف المدنيين ليس وسيلة مشروعة للحكم، وإن السلام لا يُبنى بتجاهل الضحايا أو استبدال حصار بحصار. كما تقول إن أمن البحر الأحمر وباب المندب يبدأ من يمن مستقر، ودولة تحتكر السلاح، ومؤسسات تحمي المواطنين وتضمن حقوقهم.

 

إن إنهاء الحرب واستعادة الدولة اليمنية لم يعودا مطلبًا محليًا فحسب، بل ضرورة لحماية أمن المنطقة واستقرار الملاحة الدولية وصون حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم بحرية. والطريق إلى ذلك يبدأ بوقف الاعتداءات، وإنهاء سلطة السلاح خارج مؤسسات الدولة، وإخضاع مرتكبي الجرائم للمساءلة، وبناء سلام يحمي الإنسان اليمني قبل أي حساب آخر.

 

من صعدة إلى تعز، ومن المدن اليمنية إلى البحر الأحمر، تبقى الرسالة واضحة: لا أمن مستدامًا مع استمرار الحرب، ولا سلام حقيقيًا من دون حماية المدنيين، ولا استقرار إقليميًا ما دامت أسباب الأزمة اليمنية قائمة. ورغم قسوة المعاناة وطول الطريق، تظل آمال اليمنيين معلقة باستعادة دولتهم، وإنهاء الحرب، وبناء وطن يستعيد فيه الإنسان كرامته وحقه في الحياة والأمان.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس