أحمد الحبيشي ومحنة السياسي المتنقل

الجمعه 05 يونيو 2020 - الساعة 08:55 مساءً

توفي الصحفي والكاتب السياسي والشاعر والناقد الأدبي (ذات يوم) أحمد محمد الحبيشي متعدد الألقاب والصفات منذ يومين في صنعاء متأثراً بجائحة كورونا التي أصابت الملايين وأهلكت مئات الآلاف من البشر في كل المعمورة.

 

بمجرد سماعي بخبر وفاته هرعت إلى قناة "اللحظة" التلفيزيونية التي أسسها وصارت أحد المنابر الإعلامية للحوثيين، وعلى مدى يومين توقعت أن تعلن القناة الحداد أو تذيع بيان نعيٍ أو بعض الآيات القرآنية للحداد على الرجل لكن شيئاً من هذا لم يحصل.

 

ليست هذه اللحظة المناسبة لنقد سيرة الرجل أو الوقوف على مواقف الخلاف والاختلاف معه، لكن الحقيقة تفرض على أي إنسان سوي أن يعبر عن ألمه وحسرته لسياسي وإعلامي كبير أفنى عمره في حقل السياسة ولم يغادرها إلا في فترات التنقل بين هذا التيار وذاك وبين هذا الحزب وذاك وينتهي هذه النهاية المأساوية الباردة ويغيب بلا أي اعتبار أو حتى بيان نعي.

 

بدأ المرحوم الحبيشي حياته يسارياً عتيداً حيث التحق بحزب اتحاد الشعب الديمقراطي بقيادة المفكر الفقيد عبدالله عبد الرزاق با ذيب عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية في عدن، ثم التحق بحزب البعث قبل انفصال الفرع اليمني عن القيادة القومية ليتخذ اسم حزب الطليعية الشعبية، وقبل نشوب الصراع البعثي (السوري ـ العراقي) وحصل على منحة للدراسة الجامعية في العراق، وفي العام 1975م بعد المؤتمر التوحيدي لفصائل العمل الوطني الجنوبية صار عضوا في التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية.

 

وفي إطار الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني لاحقاً لم يبتعد الحبيشي عن حلبات الصراع فكان دائما في صف الزعيم، لكنه ينتقل إلى صف المنتصر عندما يكون الزعيم مهزوماً، وقد حصل هذا مع الرؤساء سالم ربيع وعبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وحتى علي سالم البيض، فقد كان دائماً مقربا من الرجل الأول لكنه سرعان ما ينتقل إلى صف المنتصر حتى وإن كان خصما له قبل النصر.

 

المرة الوحيدة التي وقف فيها في صف المهزوم كانت العام 1994م، عندما نزح مع النازحين، وهناك التحق بحركة موج واحتفظ بعلاقة طيبة مع حزب رابطة أبناء اليمن بقيادة الأستاذ عبد الرحمن الجفري وتولى رئاسة تحرير جريدة "الوثيقة" الناطقة باسم موج، لبد إن الحبيشي وفي العام 2005 وبعد عودته إلى صنعاء كتب مقالة شهيرة من حلقتين فردت لها صحيفة 26 سبتمبر صفحتيها الداخليتين المخصصتين للمقالات المتميزة لكبار الكتاب، بعنوان "وادي غير ذي زرع" تعمد فيها أن يجعل من حادث خروجه من الحزب الاشتراكي اليمني حدثاً مدوياً، وقد نال بموجب هذا الفوز بعضوية اللجنة الدائمة ورئاسة صحيفة الميثاق في وقت لاحق، وقد برر خروجه من الحزب الاشتراكي بأنه (أي الحزب) "تخلى عن الديالكتيك".

 

بقي في صف الرئيس صالح حتى بعد تنازله عن الحكم وتسليم الراية للرئيس عبد ربه منصور هادي في فبراير 2012م، وفي سبتمبر 2014 عند الانقلاب الحوثي احتفظ بعلاقته بالانقلاب كنصير للرئيس صالح، لكنه وفي العام 2018، وعند اغتيال الرئيس صالح فضل البقاء في صف الحوثيين واستحدث قناة اللحظة ومن خلالها تحول الماركسي العتيد ومنظر الثورة العمالية العالمية وديكتاتورية البروليتاريا إلى داعية لنظرية الاصطفاء وفضل آل البيت وحقهم في ولاية شؤون المسلمين ومزايا وخصال السيد سليل رسول الله المقيم في صعدة.

 

حياة الحبيشي ومماته تقدم نموذجاً مأساوياً لحياة وممات المثقف الذي يضع بوصلته حيث تتحرك الأحداث، لحجز مكانته مبكرا في صف المنتصرين، ثم يسخر قلمه للعن من يلعنهم المنتصر ومدح من يمدحهم؟

 

إن مقام الموت لمهيب وإن حزن اللحظة لغامر وبرغم أي اختلاف مع الرجل لا يسعني إلا أن أتقدم إلى أسرته وأولاده وأصدقائه بالعزاء الصادق والدعاء له بالمغفرة والرحمة.

 

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس