توكل كرمان ومحاولة تكييف العمالة

السبت 24 أكتوبر 2020 - الساعة 06:57 مساءً

 

منذ أن تم تسريب بعض رسائل هيلاري كيلانتون؛ وزيرة الخارجية الأسبق للولايات المتحدة وتوكل كرمان تهذي في صفحتها بالفيس بوك، محاولة تسويغ دورها كأداة في يد الولايات المتحدة ،التي استخدمتها ضمن توظيف القوى الناعمة في المنطقة...

 

في مقال نشرته أريم تايمز لـ(توكل كرمان) تفتتحه كرمان بالحديث عن "اعتقالها" بعد أيام من مظاهرات 11فبراير! هنا تكرر كرمان حديث الخرافة عن الاعتقال، فما هو توقيف يصبح اعتقالا!

 

بحسب مقال توكل كرمان فقد طلبت منها السفارة الأمريكية بصنعاء زيارتها" ذهبت والتقيت بالسفير ونائبه، كانت الجلسة طويلة، وكان النقاش حادا جدا، الأمريكيون متخوفون من المظاهرات الثورية. التي أدعو لها وأشارك فيها مع رفاقي، لم يكونوا موافقين عليها، صحيح كانوا يساندون نشاطي الحقوقي والمدني، ولكن ليس إلى حد إسقاط نظام علي عبد الله صالح."

"الجلسة طويلة" و"النقاش حاد" والمتناقشون هم " السفير الأمريكي ونائبه وتوكل كرمان"!

يساندون نشاطها الحقوقي والمدني ولكن ليس إلى حد إسقاط نظام علي عبد الله صالح!

هنا تمرر توكل كرمان العديد من المغالطات لتطبيع الجمهور وجعله يعتاد على علاقتها بالولايات المتحدة ، وتصور المسألة بأنها نقاش "حاد"وإصرار على تغيير قناعة الولايات المتحدة لخيار الثورة!

الذي يعرف توكل كرمان وبلاهتها وعجزها عن قول جملة مفيدة ما قبل فبراير وما بعده يجد ادعاءها بنقاش حاد طيلة "جلسة مطولة" تزييف واضح، فمن كانت تعجز عن قول كلام مكرور على قنوات الفضائيات، ولا تسطيع فتح فمها بكلام مفيد إلاَّ بعد أن يتم تلقينها يجد أن تلك الجلسة المطولة لم تكن لفرض وجهة نظر ثورية وإنما لبرمجتها وكيفية تحركها داخل الساحات وتوجيه مسيراتها نحو أيام دامية، و"كلما سقط منَّا شهيد اهتز عرشك يا علي" مراكمة الدماء والنعوش مقابل سقوط العرش!

إن توصيفها للنظام السابق بأنه نظام علي عبد الله صالح فيه مصادرة واضحة ومغالطة وتزييف لحقيقة بنية ذلك النظام، الذي كان تحالفا لقوى المشيخ السياسي والديني والعسكري والتجاري، أي نظام قوى جمهورية 5نوفمبر بما في ذلك حزب البعث!

 

بالتأكيد هي تعي بالمشورة دلالة مفردة (الاعتقال) لهذا بدأت به مستفتحة مقالها، ولأن من أشار لها باستخدام هذه المفردة يعي أهمية تكرارها فقد تكررت عديد مرات لتوصل رسالة وفرضها من خلال التكرار باستعادة لمقولة نابليون بأن أهم ما في البلاغة هو التكرار، ليكون التعامل مع مقالها لدى المتلقي من أرضية الثورية والتضحية، وهنا زيف وتلاعب بالجمهور حين يصبح مجرد توقيف عابر وترويجي اعتقالا، فيما الضحايا والدماء التي سالت من أجل الوصول إلى ما نحن فيه دماء مجهولة في التاريخ والنسب الثوري!

وهي تعلم دلالة الاعتقال ولو كإرث من مسيرة والدها الذي كان أحد أهم قادة الجبهة الإسلامية 1978-1982م، وعلى يديه وإخوانه في الجبهة الإسلامية تم اعتقال وإخفاء المئات من المناوئين لنظام جمهورية 5نوفمبر1967م.

 

في مقالها سابق الذكر تأتي مفردات "أدعو" و"أشارك" محاولة باهتة في تقديم العمل ضمن الأجندة والاستراتيجية الأمريكية على أنها فعلا ثوريا تزهو فيها الذات المتضخمة ببلاهتها!

لتصل هذه البلاهة وتصنيع التفاهة إلى درجة الزعم بأنها من أقنعت السفارة الأمريكية بدعم "الثورة":

"بالحرف الواحد قالوا: ستتحملين كامل المسؤولية والتبعات، وكنت أرد عليهم لن نعود إلى البيت حتى نسقط هذا النظام الفاشل والفاسد والمستبد، خلاص انتهى الوقت، وفقد هذا النظام كل مبرراته في البقاء، ولا حل آخر أمامنا وأمام اليمنيين"

 

من بؤس المعيشة إلى امرأة تملك ثراء وقدرة مالية وإعلامية، استثمرت بؤس التفقير لمئات الصحفيين والمثقفين، لتشتري صمتهم وتتم تهجينهم وتطويعهم ضمن بوصلتها!

"لا حل آخر أمامنا وأمام اليمنيين" في هذا التعبير نجد جهتين في حديثها : "أمامنا"، وهي كانت في جلسة مطولة مع السفير الأمريكي ونائبه، والجهة الثانية هي :"اليمنيين"!

 

الندية المختلقة في توجيه وعي المتلقي حين تقول " قدرت سبب رفضهم أنهم متخوفون على مستقبل شراكتهم في مكافحة الإرهاب وآلياتهم التي أنجزوها مع نظام علي عبد الله صالح"!

 

الإرهاب صنيعة من؟

لا تتخلق خلايا الإرهاب إلاَّ في الجغرافيات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، بمعنى أن الإرهاب تخليق استخباراتي يستثمر الفقر والفساد والبطالة والوهبنة التي استخدمتها السعودية في المنطقة العربية وفي آسيا وأفريقيا، ضمن الأجندة الأمريكية وأهدافها!

 

والنظام التي ترى توكل كرمان بأنه حان وقت إسقاطه، فقد" فقد مبررات وجوده" هنا توكل لم تحدثنا عن ماهية تلك المبررات؟ فسياسيا هو نظام فاقد للشرعية الديمقراطية منذ تحالف المشيخ السياسي مع الديني مع العسكري مع التجاري ،واعتلى السلطة على أجساد من صنعوا الثورة السبتمبرية ، وصمدوا في حصار السبعين يوما، تحت شعار (الجمهورية أو الموت) فيما رموز هذا التحالف وقواه اشتغلوا ثورة مضادة للإرجاف ونشر الإشاعات لإسقاط صنعاء إبان حصار السبعين يوم، أو فروا إلى سوريا وبعضهم فضل البقاء في مصر، أو سحلوا أبطال السبعين يوما في شوارع صنعاء، وأغتالوا البعض، وأخفوا البعض الآخر!

 

عن أي نظام فقد مبررات وجوده كان حديث توكل كرمان؟

 

(نظام المظلة ) و(سائق تاكسي ) قوى 5نوفمبر؟

 

هو نظام في بنيتة قام على أساس المحاصصة والفساد ، وضرب الجيش وعقيدته السبتمبرية ، ليحلوا بدلا عنه جيش قبلي وتنظيم جهادي!

 

بعد أن كان النظام في بنيته يقوم على تقاسم السلطة والثروة في كل الجغرافية اليمنية، بحرا وأرضا وجوا انتقلوا إلى تقسيم الوطن بين هذه القوى، بطي المسبحة التي قال عنها الشيخ حميد الأحمر، باستكمال حباتها بعدد 33سنة هي سنوات بقاء الرئيس علي عبد الله صالح مظلة لنظام 5نوفمبر!

 

ما بعد 11فبراير 2011م جاءت تسوية 28نوفمبر2011م لتقسيم السلطة والثروة بـ(فروز وبصائر) يشبه تقسيم صلاح الدين الأيوبي لسلطنته بين إخوانه وبنيه!

 

أخذ رؤوس الثعابين كل (فرزه) فكانت عدن وأبين ولحج للمجلس الانتقالي شركاء حرب 1994م كان يومها اسمهم (الزمرة) وأخذ الإخوان المسلمون تعز إمارة لهم، وأخذ طارق محمد عبد الله صالح الساحل الغربي، وأخذ المشيخ السياسي والعسكري  مأرب وشبوة وحضرموت، وأخذ الحوثيون كتسمية لتحالف الزيدية المذهبية مع الزيدية المناطقية صنعاء وذمار وحجة والمحويت وعمران وإب الخ.  مع وجود تقاطعات جغرافية وتناقضات عرقية ومذهبية وأطماع اقتصادية تجعل الاحتراب بين هذه القوى والجغرافيات في حالة مستدامة والتوتر ساخن باستمرار نزيف غالبية الشعب اليمني!

 

وأصبحت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن تربط السلام وإيقاف الحرب في اليمن بالتطبيع مع إسرائيل، تماما كما ربطته بالسودان، حين اشترطت رفع العقوبات بالتطبيع مع إسرائيل!

 

توهم (بلهاء نوبل) توكل كرمان المتلقي بأنها من أقنعت الولايات المتحدة بمسار 11فبراير 2011، فقد انتهى الاجتماع بينها وبين السفير ونائبه بعدم الاتفاق على شيء!

"لم نتفق على شيء، أنا مصممة على رأيي وهم مصممون على رأيهم" وكأن استراتيجيات الدولة العظمى، الولايات المتحدة يتم تعديلها بتصميم رموز التفاهة والبلاهة!

 

في ختام مقالها تستدرك (بلهاء نوبل) زاعمة إنصافها للأمريكيين " لإنصاف الأمريكيون(كذا) بعد ذلك غيروا موقفهم من الثورة، بعد أن رأوها وقد أصبحت ثورة شعبية شبابية غير مسبوقة، ملء السمع والبصر"!

يبدو لي أنها قد خلطت عن عمد بين موقف بعض قيادات الإخوان المسلمين في اليمن، والذي كان لهم تحفظات واشتراطات بخصوص مآلات 11فبراير 2011م، فقد اشترطوا مزيدا من المكاسب في السلطة والثروة حتى يخوضوا هذه المغامرة، وفعلا مع تنامي النزول إلى الساحات اقتنعت هذه القيادات بنزول تنظيمهم كقرار بعد أن كان متروكا لخيار الأفراد- هنا خلطت بلهاء نوبل عن عمد بين موقف هذه القيادات الإخوانية في اليمن وبين موقف الولايات المتحدة، التي لا تخضع استراتيجياتها لمواقف أخلاقية أو إنسانية ، فكم وقفت طيلة العقود الماضية ضد الجماهير، واجهضت ثوراتها في أمريكا اللاتينية وآسيا، واغتالت رؤساء انتخبوا بغالبية ديمقراطية طالما وهم في الضفة المناقضة لمصالحها!

 

ما حدث طيلة السنوات الماضية كانت ترجمة حقيقية لاستراتيجية أمريكية ، والحصاد بتمظهراته سيبدأ بالطفو على السطح، فيما البلهاء الذين خانوا أوطانهم سيرمي بهم من استخدمهم كأوراق لم تعد صالحة لصناعة الأوهام!

 

التاريخ يتكرر بمهازله السوداوية،فما حدث للمقاومة الشعبية في حصار السبعين يوما أواخر ستينيات القرن العشرين من تفكيك وضرب لقواها تم اليوم مع الفئات الشعبية، التي انخرطت في الساحات من طلاب وعمال وفلاحين وتجار صغار ومثقفين وجنود.

وما حدث للقوات العسكرية التي صمدت في حصار السبعين يوما وآمنت بالجمهورية إيمانا بالحياة، رافعة شعار الجمهوريه أو الموت إلى مصاف العقيدة العسكرية والجماهيرية -حدث مع قوات اللواء 35 وقائدها العميد عدنان الحمادي، فقد تم التعامل معه كزائدة ثوريه، تم اغتيال قائده ثم تفكيك اللواء. وتشريدضباطه ومحو عقيدته الثورية،المؤمنة بوطن للجميع وحكم ديمقراطي أساسه المدنية لا ثيوقراطية الأحزاب الدينية ولا تسلط قوى المشيخ والعسكر!

كل ذلك جعل يومنا أشد سوداوية ودموية من أمسنا!

 

في جبرية تخديرية قالوا في 2011 ومهدوا لذلك قبلها بسنوات بأن عجلة التاريخ لن تعودإلى الوراء، وأن الجماهير قد هزمت الخوف، ويكفي 11فبراير أنها حررت الناس من الخوف، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان!

فكانت المحصلة أن فقد الناس رغيف خبزهم وأمنهم ووطنهم، ليصبحوا نازحين على الدوام، وشهداء القتل اليومي بكل أنواع ماكينة القتل والاحتقانات الطائفية!

 

كانت المقولات تخديرية، فمراحل التاريخ تقول لنا بأن الشعوب يمكن أن تثور على الطغيان وتؤسس جمهوياتها ثم تنتكس لتعود خانعة لزمن الطغيان، وما الثورة الفرنسية وما حدث بعدها لعقود ببعيد!

" إن الإعتقاد بهيمنة الغرائز الثورية على الجماهير يعني الجهل بنفسيتها" فهي تعود إلى طباعها المتطرفة، وتنتقل من الفوضى إلى العبودية ومن العبودية إلى الفوضى. ص77-سيكلوجية الجماهير-غوستاف لوبون-ترجمة: هاشم صالح-دار الساقي-1991.

ولعلَّ واقع الخوف والجوع والعبودية والشتات الذي نعيشه طيلة السنوات الأخبرة خير شاهد على تخديرية العديد من شعارات ومقولات 11فبراير ورموزها اللواتي والذين تم ترميزهم كنجوم في زمن التفاهة، وبؤس المآلات التي أُسقطنا فيها!

 

• من صفحة الكاتب على الفيس_بوك


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس