سبب حقدي على حزب الإصلاح

الثلاثاء 19 أكتوبر 2021 - الساعة 09:16 مساءً

في أول انتخابات برلمانية عام 93م، كنت في السابعة من العمر قضيتها في رؤية صور الزعيم جمال عبدالناصر والرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي والقائد المناضل الشهيد عيسى محمد سيف والسماع عن نضالهم من أجل الناس.

 

كانت صورة عبدالناصر وهو مبتسم، تقع في وسط ديوان منزلنا الكائن في شارع هائل، وكانت تعلو كل شيء بشموخ، وعلى أسفل يمينها ثمة صورة الحمدي وهو يرتدي بزّة عسكرية ويؤدي التحية العسكرية، ولا يظهر من خلالها أنه تم أخذ الصورة بعلمه، وعلى اليسار؛ تتواجد صورة عيسى بكامل براءته ووجهه الذي يدل على تواضع فريد، وعينان اغرورقتا بنظرة مكسورة على وضع بلد يقتله المنحطون ويهدمونه على رؤوس المساكين.

 

ومنذ ابتدأت تساؤلاتي عن هؤلاء الأشخاص الثلاثة الذين أراهم كل لحظة في بيتنا ولا أراهم إلا في ديوان الدكتور توفيق المقطري، كنت أسأل أبي عنهم وعن سبب تواجدهم في منزلنا، وعن سر اختفاء صورة الرئيس علي عبدالله صالح التي أراها في منازل أصدقائي الآخرون، أخبرني حينها أن هؤلاء كانوا يريدون لنا الحياة الحُرة والمتساوية والرفاهية، وأن علي عبدالله صالح هو اليد التي اغتالت الحمدي وعيسى بعد تلقيه أوامر من السعودية بسبب أنهما مؤمنان بالدولة المدنية وليس دولة المشايخ، وأن المخابرات الأمريكية اشتركت في قتل عبدالناصر لأنه كان يريد للعرب أن يتوحدوا.

 

بدأ تعلّقي بهؤلاء الثلاثة الذين حاولوا قيادة اليمن كطبقة اجتماعية واحدة ولا يوجد طبقة أكبر سوى الجيش الوطني الذي يحمينا والقانون أيضاً، حينها بدأت أتلهف لزيارة المكان الذي قد يعلمني أن أكون واحداً يعمل من أجل الوطن والمساواة بين الناس، وبدأ ارتباطي بمقر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، خصوصاً أنه المكان الوحيد الذي أتاح لي فرصة القراءة عن التاريخ النضالي لهم وأمدني ببعض الصور التي كنت أعلقها على مقدمة دفاتر وكتب المدرسة..

 

بالإضافة إلى كونه المكان الوحيد الذي يجتمع به كل من يحب عبدالناصر والحمدي وعيسى، (وينا، كل هذولا يناضلوا عشاننا) كنت أقول ذلك وأبتسم لدرجة أني كنت أترجى والدي العزيز هاشم العزعزي أن يسمح لي بالمبيت في مقر التنظيم برفقة أناس لا أتذكرهم الآن.

 

أثناء انتخابات 93 كانت دائرتنا رقم (12) وكان الدكتور محمد الكمالي هو مرشح التنظيم وينافسه محمد المقالح عن الاشتراكي والشيخ حنتوس عن الاصلاح، كنت قد أخذت على عاتقي أن أبدأ طريق النضال، كان نضالي يتمحور في ترتيب صور المرشحين والكلمات المأثورة عن عبدالناصر والحمدي كـ(اللهم اعطنا القوة لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء) لعبدالناصر، وأيضاً (تجريب المجرب خطأ والتصحيح باليد الملوثة خطأ مرتين) للحمدي، أو ذلك الشعار الذي اعطاني الأمل ولم أفهمه إلا بصعوبة (من وسط الظلام الكثيف، ينبثق هلال الأمل).

 

كنت أيضاً أحاول مساعدة إخوتي الكبار عبدالناصر والدكتور هاشم عبر خلط السُكّر مع الدقيق والقليل من ماء ووضعهم فوق نار هادئة مع تحريكهم ببطء؛ وذلك لعمل الصمغ الخاص بالملصقات الحزبية لمرشح التنظيم، بالإضافة إلى حصولي على نسبة كبيرة من البرشورات تحوي مقولات مع صور لعبدالناصر والحمدي ويتم عطفها من المنتصف ووضع كرت خاص بمرشح التنظيم ومعلومات مختزلة عنه خلف الكرت لا أحد يهتم بها عموماً.

 

كان حصولي على تلك الكروت بمثابة جائزة ثمينة يحصل عليها طفل في عمري، أتتني مع والدي ذات صباح، أتذكر أن أحدهم أرسلها لي لأقوم بتوزيعها ولكن بشرط (لا تحط الزعقة في جيب الشميز) وهذه كانت مشكلة بالنسبة لأبي حين آكل "زعقة".

 

ذات عصر، كنت خارج من الجامع بعد الصلاة، رأيت شابان يقفان على جدار احدى البقالات في شارع 16 ومعهما سُلم طويل وعدد كبير من الملصقات، لم يكن معهما صمغ كالذي نصنعه بالبيت بل كان شيئاً مختلفا ويبدو فخمًا، وكان لديهما منشورات للتوزيع ولكنها ملونة وليس لون واحد كالتي معي، وأيضًأ أكبر مقاساً مما أملك، كانت مغرية عمومًا، وكان أحدهما يرتدي ثوباً ولديه لحية صغيرة تشبه لحية ذلك المرشح عن الاصلاح، ابتسمت وشعرت بسعادة لأن هؤلاء مثلي، يوزعون المنشورات، قلت في نفسي (بعطيهم من حقي المنشورات عشان يعطونا من حقهم) فأنا لم أكن أوزعها لأي شخص إلا من أعتقد أنه يستحقها.. اعتقاد براءة طفل في السابعة كل أحلامه هي أن يمتلك والده سيارة كسيارة عمي يوسف حتى يأخذني إلى وادي ظهر.

 

ذهبت إليهما وتأكدت بأنهما يملكان دعاية انتخابية لمرشح الاصلاح (السلام عليكم) قلتها ومددت يدي وفيها كرت (هذا الكرت الخاص بمرشح التنظيم الناصري). عادة يحتفظ الناس بها وأحياناً يقوموا بإخبائها فوراً، أو اعادة الكرت الخاص بالمرشح والاحتفاظ بكرت عبدالناصر والحمدي، على مدار ثلاثة أيام وأنا أشاهد ردات فعل كهذه، ولكن في تلك اللحظة كانت ردة الفعل مختلفة.

 

أخذ الكرت وفتحه، انصرفت من أمامه وأنا أتطلع لسماع صوته يناديني من أجل أن يعطيني من الكروت التي لديه. بعد عدة خطوات ناداني (يا بطل) التفت إليه بحنق فأنا أكره أن ينادوني بهذه الصفة الخاصة بالصغار، أنا لم أعد صغيراً بل مناضلاً في وجه من قتل عيسى والحمدي، التفت إليه ورأيته قد وضع الكرت ما بين رجله وحذاءه المقرف وقال (تعال جر عبدالناصر حقك من مكانه) حدثني هكذا وأنا في السابعة من العمر، قصير للغاية، بوجه طفولي، تجاهل عمري وشكلي ومشاعري أيضاً، وتجاهل عدم معرفتي بسر عداء الحركة الاخوانية مع الزعيم جمال عبدالناصر.

 

ذهبت وانتزعت الكرت من بين رجله، كان يشعر بالانتصار وكأنه انتقم من مقتل سيد قطب، وكنت أشعر بالهزيمة المُرّة. نظفت الكرت من قذارة رجله، دمعت عيناي غصباً، كتمت صوت الدموع ومسحتها حتى لا يراها، تمنيت لو أني كبيراً حتى اكسر قدمه وفمه معًا، تمنيت أيضاً لو كانت حارتي قريبة أو ثمة طفل من أصدقائي يمر بجواري حتى (أتعصّب عليه).

 

حفظت تفاصيل شكله وقامته ولهجته المليئة بالتعنت والانتصار الوهمي، وأيضاً انغمر قلبي بالحقد على مرشحهم وعلى المكان الذي علمهم أن يتعاملوا هكذا مع المناضلين الصغار الذين يعملون من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية.

 

وحتى هذه اللحظة مازلت أحمل حقداً على حزب الإصلاح وقياداته وأعضاءه وعلى كل من يتحدث عنه بأنه حزب جيد... إنها روح ذلك الطفل بداخلي لم تهدأ


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس